الاثنين، 9 سبتمبر 2019

إضاءةُ الجنانِ من أضواءِ البيانِ (في حجابِ الوجه)


إضاءةُ الجنانِ من أضواءِ البيانِ (في حجابِ الوجه)
إضاءة من مشكاة أضواء البيان في مسألة في استدلال الشيخ الشنقيطي على وجوب تغطية وجه المسلمة
الحمد التامُّ لله كما ينبغي له، والشكر الكامل له فهو الأهلُ له، والصلاة والسلام والبركة على سيد الأولين والآخرين نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
فإن مسألة حكم تغطية وجه المسلمة عن غير المحارم قد كثر فيها الكلام والترخّص حتى بين العامّة الذين تربّوا ونشأُوا على العمل به، فصارت المرأةُ تُنازع في وجوبه وتنقل أقوال المُجيزين، حتى إذا نالت مرادها بكشف الوجه ألحقت به حَسْرَ الشعر، ثم التخلص من شروط العباءة الساترة الحشيمة لأخرى مُحتاجة لعباءة، حتى انتهى حال بعضهن لكشف النحر والساق ولبس الضيق والشفّاف، فبدأت بالشبر وانتهت بالميل.. كلُّ ذلك لأن باب الهوى قد انفتح بكشف الوجه أَوّلًا، ولو أنّها تحجبت كالصحابيات الصالحات ما وصل بها الحال لهذا.
ومسألة ستر الوجه هي من المسائل التي ابتلى الله الحكيم تبارك وتعالى عباده بها فيتميزّ فيها من اجتهد في طلب الحق وأصابه أو لم يوُفّق إليه، علمًا أو عملًا، فثمَّ مسائل في الشريعة يكتنفها نوع اشتباه في بعض نواحيها من جهة الدليل أو الاستدلال ابتلاءً من الله تعالى لعباده أيخوضوا المشتبه ويتوسّعوا في التأويل ويتطلبّوا الترخّص بأدنى مسوّغ، أم يأخذون بالمحكمات ويردّون إليها المشتبهات ويعملون بالعزيمة حتى تنبلج شمس الرخصة.
والمشتبهات على درجات، فمنها ما يكون الاشتباه يسيرًا فتُردّ الفروع الغريبة المحتملة لأصولها الثابتة الواضحة كبعض مسائل الغناء والمعازف والإسبال ونحو ذلك، فترِدُ في المسألة أدلّة واضحة جليّة كثيرة في بيان حكمها، ثم يبتلي الله تعالى عباده بتقدير دليل محتمل فيصح حمله على الأدلة الأولى وهي المحكمات ويكون له وجه – لو كان لوحده – محتمل لحكم آخر مخالف، فالراسخون في العلم يردُّون ذلك الدليل المحتمل للحكم العام الذي جاءت به المحكمات، أما صاحب الهوى فيتعلّق بذلك لا طلبًا للحق ولكن رغَبًا في ضدّه وإعناقًا في خلافه. قال ربُّ العزة تبارك وتعالى في بيان ذلك: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب). 
ومنها مسائل يقوى فيها الاشتباه ويطول فيها البحث ولا يستقرّ فيها لطائفة دليلٌ حاسم مرجّح، فيكون المجتهد فيها بين الأجر والأجرين، والعافية في هذا المسائل تكون بالاستمساك بالأصول والمُحكَمَات والعمل بالاحتياط والبعد قدر الطاقة عن المشتبهات. فعن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك" رواه الترمذي وصححه. (1) وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ الحلال بيّنٌ، وإنّ الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام". متفق عليه.(2)
وإنّ من المسائل التي كثر فيها الكلام بأَخَرَةٍ مسألة كشف وجه المسلمة، وقد تسلّق منها بعض من يريدون للمسلمة أن تميل ميلًا عظيمًا، وقد أجلى العلماء الأمر بالوجوب وأوضحوا أدلّته وأبطلوا الإيرادات عليها، ومِنْ أَمْتَنِ من وقفت على كلامهم في هذه المسألة علّامة راسخ من مفاخر عصرنا العلمية ذاكم هو الفقيه  النحرير والمفسر الحبير الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي في سِفْرِه النفيس الماتع أضواء البيان، ولن أتقدّمه بمقدمة في أصل المسألة وأدلتها وترجيحها لأنها ستكون بمثابة التيمّم عند وجود الماء وانعدام العذر، وسأكتفي بذكر مهمّات كلام الشيخ في المسألة اختصارًا واقتصارًا على ما تمسّ إليه الحاجة، قال رحمنا الله وإياه في قول الله تعالى:
"{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}.
أمر الله جل وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدى إليه أيضا بالحرف الذي هو {مِنْ}، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، ومن أمثله تعدي الغض للمفعول بنفسه قول جرير:
فغض الطرف إنك من نميرٍ   ...  فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا
وقول عنترة:
وأغضُّ طرْفي ما بدت لي جارتي   ...  حتّى يواري جارتي مأواها
لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف.
ومن أمثلة تعدي الغض بـ{مِنْ} قوله تعالى: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} و{يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}، وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخرى تهديد من لم يمتثله ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} [غافر: 19].
وقد قال البخاري رحمه الله: "وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدرهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن، يقول الله عز وجل: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}، قال قتادة: عما لا يحل لهم، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}، خائنة الأعين النظر إلى ما نهي عنه".(3)
وبه تعلم أن قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحا في أحاديث كثيرة.
منها: ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس في الطرقات"، قالوا: يا رسول اللها ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر". (4)
ومنها: ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها.. الحديث".(5)
ومحل الشاهد منه: أنه صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدلّ ذلك على أن نظره إليها لا يجوز.
ومنها: ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: من أنّ نظر العين إلى ما لا يحلّ لها تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس، أنه قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللّمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه". (7) ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: "فزنى العين النظر"، فإطلاق اسم الزنى على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه، والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة.
ومعلوم أن النظر سبب الزنى، فإنّ مَن أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلا قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكنًا يكون سبب هلاكه، والعياذ بالله، فالنظر بريد الزنى. وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
كسبتُ لقلبي نظرةً لتسرَّهُ   ...      عيني فكانت شقوة ووبالًا
ما مرّ بي شيءٌ أشدّ من الهوى    ...   سبحان من خلق الهوى وتعالى
وقال آخر:
ألم تر أن العين للقلب رائدٌ   ...   فما تألف العينان فالقلب آلف
وقال آخر:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدًا    ...   لقلبك يوما أتعبتك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلّه أنت قادرٌ   ...   عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
وقال أبو الطيب المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرْفُهُ    ...   فمن المطالب والقتيل القاتلُ
وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "ذم الهوى" فصولًا جيدة نافعة، أوضح فيها الآفات التي يسببها النظر وحذر فيها منه، وذكر كثيرًا من أشعار الشعراء، والحكم النثرية في ذلك، وكله معلوم، والعلم عند الله تعالى.
وقال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}.
اعلم أولًا أن كلام العلماء في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أن الزينة هنا نفس شيء من بدن المرأة؛ كوجهها وكفيها.
الثاني: أن الزينة هي ما يتزين به خارجًا عن بدنها.
وعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان:
أحدهما: أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن؛ كالملاءة التي تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإزار.
والثاني:(7) أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن؛ كالكحل في العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تستلزم رؤية اليد، وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية محله من البدن؛ كما لا يخفى. (8)
وسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرآن رجحانه.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، وقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، "أي: لا يُظهرن شيئًا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلّل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخغي وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها؛ كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال، والقلادة. وفي رواية قال: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب.
 وقال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سمّى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس، فلا يبدو منها إلا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: الخاتم والخلخال.
 ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها: بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه: عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه. لكن قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها،(9) والله أعلم". أهـ كلام ابن كثير. (10)
وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: "واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا، وعطاء، والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس، وقتادة، والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا، فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آخر عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا"، وقبض على نصف الذراع. (11)
قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء، فهو المعفوّ عنه.
قلت: وهذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما، يدل لذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، ثم ذكر القرطبي حديث عائشة المذكور الذي قدمناه قريبًا، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوز أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها". أهـ (12)
وقال الزمخشري: "الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرًا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس به، وما خفي منها كالسوار، والخلخال، والدملج، والقلادة، والإكليل، والوشاح، والقرط، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن. فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حلّه، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها".. إلى آخر كلامه.
وقال صاحب الدر المنثور: "وعن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}، قال: الزينة السوار والدملج والخلخال، والقرط، والقلادة {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: الثياب والجلباب.
وأيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج. فأما الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة منها الثياب، وما يخفى: فالخلخالان والقرطان والسواران.
وعن أنس في قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: الكحل والخاتم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكحل والخاتم والقرط والقلادة.  وقال أيضًا: هو خضاب الكف، والخاتم. وقال أيضًا: وجهها، وكفاها والخاتم. وقال أيضًا: رقعة الوجه، وباطن الكف.
وعن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة؟ فقالت: القلب والفتخ، وضمت طرف كمّها.
وعن عكرمة قال: الوجه وثغرة النحر.
وعن سعيد بن جبير قال: الوجه والكف.
وعن عطاء قال: الكفان والوجه.
وعن قتادة قال: المسكتان والخاتم والكحل.
وعن المسور بن مخرمة قال: القلبين، يعني السوار والخاتم والكحل". (13)
وقد رأيت في هذه النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال؛ كما ذكرنا.
الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجًا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها؛ كقول ابن مسعود، من وافقه: إنها ظاهر الثياب؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار، كما ترى.
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة: ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضًا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل، ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن، كما لا يخفى.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها؛ كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان، وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.
وإذا عرفت هذا، فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها: أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدّمنا أيضًا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع؛ لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.
وإذا عرفت ذلك، فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان للذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية، التي نحن بصددها.
أما الأول منهما، فبيانه: أن قول من قال في معنى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلًا، توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل.
 فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور، فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادًا به الزينة الخارجة عن أصل المزيّن بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزيّن بها؛ كقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]، وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} [الكهف: 7]، وقوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} [القصص: 60]، وقوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات:6]، وقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]، وقوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص: 79]، وقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، وقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ} [الحديد: 20]، وقوله تعالى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]، وقوله تعالى عن قوم موسى: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} [طه: 87]، وقوله تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزيّن به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، كما ترى. وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب؛ كقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى    ...   وإذا عطلن فهن خير عواطلِ
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين، فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة؛ كالكحل والخطاب، ونحو ذلك.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود رضي الله عنه: أن الزينة الظاهرة هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء.
 ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها؛ كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم، هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.
وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}.
قد قدّمنا أن من أنواع البيان: أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة تدلّ على عدم صحة ذلك القول، ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية "الحجاب"، أعني قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، خاصة بأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّ تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم لا حاجة إلى أطهريّة قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهنّ، وقد تقرّر في الأصول: أن العلّة قد تعمّم معلولها، وإليه أشار في "مراقي السعود" ، بقوله:
وقد تخصّص وقد تعمّم    ...   لأصلها لكنها لا تخرم
وبما ذكرنا، تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أصل اللفظ خاصًّا بهن؛ لأن عموم علّته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلّة الذي دلّ على أن قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، هو علَّة قوله تعالى: {فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته، هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علَّة لذلك الحكم؛ لكان الكلام معيبًا عند العارفين، وعرف صاحب "مراقي السعود" دلالة الإيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء والتنبيه، بقوله:
دلالة الإيماء والتنبيه   ...    في الفن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن   ...   لغير علّة يعبه من فطن
وعرّف أيضًا الإيماء والتنبيه في مسالك العلَّة، بقوله:
والثالث الإيماء اقتران الوصف    ...  بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير   ...   قرانه لغيرها يضير
فقوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، لو لم يكن علّة لقوله تعالى: {فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف.
وإذا علمت أن قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، هو علّة قوله: {فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، وعلمت أن حكم العلّة عام؛ فاعلم أن العلّة قد تعمّم معلولها، وقد تخصّصه كما ذكرنا في بيت "مراقي السعود"، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علّته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًّا، بدلالة القرينة القرآنيّة، فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء.
واعلم أنَّا في هذا المبحث نريد أن نذكر الأدلَّة القرآنيَّة على وجوب الحجاب على العموم، ثم الأدلّة من السنّة، ثم نناقش أدلَّة الطرفين، ونذكر الجواب عن أدلّة من قالوا بعدم وجوب الحجاب، على غير أزواجه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا آنفًا أن قوله: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ}، قرينة على عموم حكم آية الحجاب.
أدلة القرآن الكريم:
من الأدلّة القرآنيّة على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها، وممن قال به: ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم.
فإن قيل: لفظ الآية الكريمة، وهو قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسّرين: إنه يستلزمه معارض بقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه.
فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، يدخل في معناه ستر وجوههنّ بإدناء جلابيبهنّ عليها، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ}، ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن، لا نزاع فيه بين المسلمين. فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب، كما ترى.
ومن الأدلّة على ذلك أيضًا: هو ما قدمنا في سورة النور، في الكلام على قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، من أن استقراء القرءان يدلّ على أن معنى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصحّ تفسير: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالوجه والكفين، كما تقدّم إيضاحه.
واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنيّة على أن قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ}، قال: وقد دلّ قوله: {أَنْ يُعْرَفْنَ} على أنهنّ سافرات كاشفات عن وجوههن؛ لأن التي تستر وجهها لا تعرف باطل، وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعًا باتًّا؛ لأن قوله: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، صريح في منع ذلك.
وإيضاحه: أن الإشارة في قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْن} راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه، كما لا يخفى.
وقوله في الآية الكريمة: {لِأَزْوَاجِكَ} دليل أيضًا على أن المعرفة المذكورة في الآية، ليست بكشف الوجوه؛ لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين.
والحاصل: أن القول المذكور تدلّ على بطلانه أدلّة متعدّدة:
 الأول: سياق الآية، كما أوضحناه آنفًا.
الثاني: قوله: {لِأَزْوَاجِكَ}، كما أوضحناه أيضًا.
الثالث: أن عامّة المفسّرين من الصحابة فمن بعدهم فسّروا الآية مع بيانهم سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفسّاق يتعرّضون للإماء، ولا يتعرّضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زيّ ليس متميّزًا عن زي الإماء، فيتعرّض لهن أولئك الفساق بالأذى ظنًّا منهم أنهن إماء، فأمر اللَّه نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميّزن في زيهن عن زي الإماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك ورآهن الفساق، علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر لا إماء هو معنى قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ}، فهي معرفة بالصفة لا بالشخص.
وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن، كما ترى. فقوله:{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي: يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرّضون للإماء، وهذا هو الذي فسّر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح، وليس المراد منه أنّ تعرُّضَ الفساق للإماء جائز بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} في قوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ}، إلى قوله: {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}.
ومما يدلّ على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض، قوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى:
حافظٌ للفرج راضٍ بالتُّقى    ...   ليس ممن قلبه فيه مرض
وفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهنّ الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإماء لازم، وله أسباب أُخر ليس منها إدناء الجلابيب.
تنبيه:
قد قدّمنا في سورة "بني إسرائيل"، في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن؛ كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
الْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر، وزمن ونسبة.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعًا، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه.
فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن فيه، قوله تعالى هنا: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ}، ثم قال: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ}، أي: ذلك الإدناء المفهوم من قوله: {يُدْنِينَ}.
ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ}، فقوله: {ذَلِكَ} يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: {وَنُفِخَ} أي: ذلك الزمن يوم الوعيد.
ومن الأدلّة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرّر في الأصول، من أن خطاب الواحد يعمّ حكمه جميع الأُمّة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب، وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة "الحجّ"، في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك؛ لأن خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لواحد من أُمّته يعمّ حكمه جميع الأُمة، لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالَّة على عموم الحكم؟ خلاف في حالٍ لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعمّ؛ لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم. ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس.
أمّا القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي. والنص كقوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمئة امرأة". (14)
قالوا: ومن أدلّة ذلك حديث: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". قلت: والحديث ثابت من حديث أُميمة بنت رقيقة، وأشار إلى ذلك في "مراقي السعود" بقوله:
خِطَابٌ وَاحِدٌ لِغَيْرِ الْحَنْبَلِ ... مِنْ غَيْرِ رَعْيِ النَّصِّ وَالْقَيْسِ الْجَلِي
وبهذه القاعدة الأصولية تعلم أن حكم آية الحجاب عام، وإن كان لفظها خاصًّا بأزواجه صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمئة امرأة.
ومن الأدلّة القرآنيّة الدالَّة على الحجاب، قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْن خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}؛ لأن اللَّه جلَّ وعلا بيَّن في هذه الآية الكريمة أن القواعد أي العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، أي: لا يطعمن في النكاح لكبر السن وعدم حاجة الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهنّ، بشرط كونهن غير متبّرجات بزينة، ثمّ إنه جلَّ وعلا مع هذا كله قال: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}، أي: يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي: واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهنّ وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرّجات بزينة خير لهن.
وأظهر الأقوال في قوله: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}، أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب، التي تكون فوق الخمار والثياب.
فقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}، دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح، لا يرخّص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستّر بحضرة الأجانب.
وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دلَّ على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه صلى الله عليه وسلم، فلا شكّ أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامّة وعدم التدنّس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرّج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهنّ في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمّن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأُمّة محمّد صلى الله عليه وسلم مريض القلب؛ كما ترى.
أدلّة السنة:
واعلم أنه مع دلالة القرآن على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، قد دلّت على ذلك أيضًا أحاديث نبوية، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي اللَّه عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إيّاكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول اللَّه أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت". (15)
فهذا الحديث الصحيح صرّح فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول عليهنّ وسؤالهن متاعًا إلا من وراء حجاب؛ لأن من سألها متاعًا لا من وراء حجاب فقد دخل عليها، والنبيّ صلى الله عليه وسلم حذَّره من الدخول عليها، ولما سأله الأنصاري عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمًا لزوجته، كأخيه وابن أخيه وعمّه وابن عمّه ونحو ذلك، قال له صلى الله عليه وسلم: "الحمو الموت" فسمّى صلى الله عليه وسلم دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير؛ لأن الموت هو أفظع حادث يأتي على الإنسان في الدنيا، كما قال الشاعر:
والموت أعظم حادث مما يمرّ على الجِبِلّة
والجبلة: الخلق، ومنه قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ}، فتحذيره صلى الله عليه وسلم هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: {فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} عام في جميع النساء، كما ترى. إذ لو كان حكمه خاصًّا بأزواجه صلى الله عليه وسلم لما حذر الرجال هذا التحذير البالغ العامّ من الدخول على النساء، وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهنّ ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرّم تحريمًا شديدًا بانفراده، كما قدّمنا أن مسلمًا رحمه اللَّه أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فدلّ على أن كليهما حرام. وقال ابن حجر في "فتح الباري"، في شرح الحديث المذكور: "إياكم والدخولَ"، "بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرّز عنه؛ كما قيل: إياك والأسد، وقوله: "إياكم"، مفعول لفعل مضمر تقديره: اتّقوا. وتقدير الكلام: اتّقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية ابن وهب، بلفظ: "لا تدخلوا على النساء"، وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى" أهـ. (16)
 وقال البخاري رحمه اللَّه في "صحيحه": "باب: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}. عن عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: يرحم اللَّه نساء المهاجرات الأول، لما أنزل اللَّه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، شققن مروطهن فاختمرن بها.
وعن صفيّة بنت شيبة أن عائشة رضي اللَّه عنها، كانت تقول: لما نزلت هذه الآية {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها" أهـ. وقال ابن حجر في "الفتح"، في شرح هذا الحديث: "قولها: فاختمرن، أي غطّين وجوههن، وصفة ذلك: أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنّع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار". أهـ. (17)
 والحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيّات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها امتثالاً لأمر اللَّه في قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، المقتضي ستر وجوههن، وبهذا يتحقّق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنّة الصحيحة المفسّرة لكتاب اللَّه تعالى، وقد أثنت عائشة رضي اللَّه عنها على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر اللَّه في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، إلا من النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جلَّ وعلا يقول: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن.
 وقال ابن حجر في "فتح الباري": "ولابن أبي حاتم من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن لنساء قريش لفضلًا، ولكن واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب اللَّه، ولا إيمانًا بالتنزيل، ولقد أنزلت سورة "النور": {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهنّ امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان". (18)
 ومعنى معتجرات: مختمرات، كما جاء موضحًا في رواية البخاري المذكورة آنفًا، فترى عائشة رضي اللَّه عنها مع علمها وفهمها وتقاها، أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرّحت بأنها ما رأت أشدّ منهن تصديقًا بكتاب اللَّه، ولا إيمانًا بالتنزيل، وهو دليل واضح على أن فهمهنّ لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، من تصديقهن بكتاب اللَّه وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب اللَّه وإيمان بتنزيله، كما ترى.
فالعجب كل العجب، ممن يدّعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنّة ما يدلّ على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر اللَّه في كتابه إيمانًا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، كما تقدم عن البخاري. وهذا من أعظم الأدلّة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين، كما ترى.
وعن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربّها وهي في قعر بيتها".  (19) وقد ذكر هذا الحديث صاحب "مجمع الزوائد"، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله موثقون، وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلّة، وما جاء فيه من كون المرأة عورة، يدلّ على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة.
ومما يؤيّد ذلك: ما ذكر الهيثمي أيضًا في "مجمع الزوائد"، عن ابن مسعود قال:" إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرّين بأحد إلا أعجبتيه، وإن المرأة لتلبس ثيابها فقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها، مثل أن تعبده في بيتها، ثم قال: رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله ثقات" (20). ومثله له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي فيه.
ومن الأدلّة الدالَّة على ذلك الأحاديث التي قدّمناها، الدالَّة على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المساجد، كما أوضحناه في سورة "النور" في الكلام على قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ}، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدًا، وفيما ذكرنا كفاية لمن يريد الحقُّ.
فقد ذكرنا الآيات القرآنيّة الدالَّة على ذلك، والأحاديث الصحيحة الدالَّة على الحجاب، وبيَّنا أن من أصرحها في ذلك آية "النور" مع تفسير الصحابة لها، وهي قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، فقد أوضحنا غير بعيد تفسير الصحابة لها، والنبيّ صلى الله عليه وسلم موجود بينهم ينزل عليه الوحي، بأن المراد بها يدخل فيه ستر الوجه وتغطيته عن الرجال، وأن ستر المرأة وجهها عمل بالقرآن، كما قالته عائشة رضي اللَّه عنها.
مناقشة أدلّة المجيزين:
وإذا علمت أن هذا القدر من الأدلّة على عموم الحجاب يكفي المنصف، فسنذكر لك أجوبة أهل العلم، عمّا استدلّ به الذين قالوا بجواز إبداء المرأة وجهها ويديها، بحضرة الأجانب.
فمن الأحاديث التي استدلّوا بها على ذلك حديث خالد بن دريك عن عائشة رضي اللَّه عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا"، وأشار إلى وجهه وكفّيه؛ وهذا الحديث يجاب عنه بأنه ضعيف من جهتين:
الأولى: هي كونه مرسلًا؛ لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما قاله أبو داود، وأبو حاتم الرازي كما قدّمناه في سورة "النور".
الجهة الثانية: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، قال فيه في "التقريب": ضعيف.
 مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلّة على عموم الحجاب، ومع أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب.
ومن الأحاديث التي استدلّوا بها على ذلك حديث جابر الثابت في الصحيح،(21) قال: شهدت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان، ولا إقامة، ثم قام متوكّئًا على بلال فأمر بتقوى اللَّه، وحثّ على طاعته، ووعظ الناس، وذكّرهم ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكّرهن، فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم"، فقامت امرأة من سِطَةِ النساء سفعاءُ الخَدّين، فقالت: لِمَ يا رسول اللَّه؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير" ، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطهن وخواتمهن". قالوا: وقول جابر في هذا الحديث: سفعاء الخدّين يدلّ على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خدّيها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين.
 وأجيب عن حديث جابر هذا: بأنه ليس فيه ما يدلّ على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عن وجهها، وأقرّها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابرًا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال، كما قال نابغة ذبيان:
سقط النصيفُ ولم ترد إسقاطه   ...   فتناولته واتّقتنا باليدِ
فعلى المحتجّ بحديث جابر المذكور، أن يثبت أنه صلى الله عليه وسلم رآها سافرة، وأقرّها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك. وقد روى القصة المذكورة غير جابر، فلم يذكر كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم في "صحيحه" ممن رواها غير جابر أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وذكره غيره عن غيرهم. ولم يقل أحد ممن روى القصة غير جابر أنه رأى خدي تلك المرأة السفعاء الخدّين، وبذلك تعلم أنه لا دليل على السفور في حديث جابر المذكور. وقد قال النووي في شرح حديث جابر هذا عند مسلم، وقوله: "فقامت امرأة من سطة النساء"، هكذا هو في النسخ سطة بكسر السين، وفتح الطاء المخفّفة. وفي بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي: معناه: من خيارهن، والوسط العدل والخيار، قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغيّر في كتاب مسلم، وأن صوابه من سفلة النساء، (22) وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، والنسائي في سننه. في رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من علية النساء، وهذا ضد التفسير الأول ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدّين هذا كلام القاضي، وهذا الذي ادّعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء؛ كما فسّره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: "يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسطة، أي: توسطتهم"، أهـ منه.
وهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث جابر ثناء البتّة على سفعاء الخدّين المذكورة، ويحتمل أن جابرًا ذكر سفعة خدّيها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها؛ لأن سفعة الخدّين قبح في النساء. قال النووي: سفعاء الخدين، أي: فيها تغيّر وسواد. وقال الجوهري في "صحاحه": والسفعة في الوجه: سواد في خدّي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة سفعاء لما في عنقها من السفعة، قال حميد بن ثور:
مِنَ الْوُرْقِ سَفْعَاءُ الْعِلَاطَيْنِ بَاكَرَتْ ... فُرُوعَ أَشَاءٍ مَطْلَعَ الشَّمْسِ أَسْحَمَا
قال مقيّده -عفا اللَّه عنه وغفر له- : السفعة في الخدّين من المعاني المشهورة في كلام العرب: أنها سواد وتغيّر في الوجه، من مرض أو مصيبة أو سفر شديد، ومن ذلك قول متمم بن نويرة التميمي يبكي أخاه مالكًا:
تَقُولُ ابْنَةُ الْعُمَرِيِّ مَا لَكَ بَعْدَمَا ... أَرَاكَ خَضِيبًا نَاعِمَ الْبَالِ أَرْوَعَا
فَقُلْتُ لَهَا طُولُ الْأَسَى إِذْ سَأَلْتِنِي ... وَلَوْعَةُ وَجْدٍ تَتْرُكُ الْخَدَّ أَسْفَعَا
ومعلوم أن من السفعة ما هو طبيعي كما في الصقور، فقد يكون في خدي الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
أَهْوَى لَهَا أَسْفَعُ الْخَدَّيْنِ مُطَّرِقُ ... رِيشَ الْقَوَادِمِ لَمْ تُنْصَبْ لَهُ الشَّبَكُ
والمقصود: أن السفعة في الخدّين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها، لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا.
ومن الأحاديث التي استدلّوا بها على ذلك، حديث ابن عباس الذي قدّمناه، قال: أردف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس رضي اللَّه عنهما، يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبيّ صلى الله عليه وسلم يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها فالتفت النبيّ صلى الله عليه وسلم، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول اللَّه إن فريضة اللَّه في الحجّ على عباده، أدركت أبي شيخًا كبيرًا... الحديث. (23) قالوا: فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها.
وأجيب عن ذلك أيضًا من وجهين:
الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه، وأقرّها على ذلك بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه صلى الله عليه وسلم أقرّها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين. ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها، ومما يوضح هذا أن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما الذي روي عنه هذا الحديث لم يكن حاضرًا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، واطّلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدًا لاحتمال أن يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها.
فإن قيل: قوله: إنها وضيئة، وترتيبه على ذلك بالفاء، قوله: فطفق الفضل ينظر إليها، وقوله: وأعجبه حسنها، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإعجابه بحسنه.
فالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزامًا لا ينفكّ أنها كانت كاشفة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كذلك، وأقرّها لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة، وذلك لحسن قدّها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط، كما هو معلوم. ولذلك فسّر ابن مسعود: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، بالملاءة فوق الثياب، كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب، قول الشاعر:
طَافَتْ أُمَامَةُ بِالرُّكْبَانِ آوِنَةً ... يَا حُسْنَهَا مِنْ قَوَامٍ مَا وَمُنْتَقِبَا
فقد بالغ في حسن قوامها، مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفًا.
الوجه الثاني: أن المرأة محرمة وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليه، وعليها ستره من الرجال في الإحرام، كما هو معروف عن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهن، ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس رضي اللَّه عنهما، والفضل منعه النبيّ صلى الله عليه وسلم من النظر إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها (24) إذًا لإحرامها لا لجواز السفور.
فإن قيل: كونها مع الحجاج مظنّة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة؛ لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال.
فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم الورع وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكي كما حكي نظر الفضل إليها، ويفهم من صرف النبيّ صلى الله عليه وسلم بصر الفضل عنها، أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة، وهي سافرة كما ترى، وقد دلَّت الأدلَّة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم.
وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة البشرية وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول:
قُلْتُ اسْمَحُوا لِي أَنْ أَفُوزَ بِنَظْرَةٍ ... وَدَعُوا الْقِيَامَةَ بَعْدَ ذَاكَ تَقُومُ
أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال:
وَمَا عَجَبٌ أَنَّ النِّسَاءَ تَرَجَّلَتْ ... وَلَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجَالِ عُجَابُ
مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة أعني آية الحجاب هذه:
اعلم: أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه. ولا يجوز له أن يمسّ شيء من بدنه شيئًا من بدنها.
والدليل على ذلك أمور:
الأول: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنّه قال: "إني لا أصافح النساء"، الحديث. (25) واللَّه يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، فيلزمنا ألاّ نصافح النساء اقتداء به صلى الله عليه وسلم.
وكونه صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا يصافح المرأة، ولا يمسّ شيء من بدنه شيئًا من بدنها؛ لأن أخفّ أنواع اللّمس المصافحة، فإذا امتنع منها صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة، دلَّ ذلك على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المشرع لأُمّته بأقواله وأفعاله وتقريره.
الأمر الثاني: هو ما قدمنا من أن المرأة كلها عورة يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغضّ البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شكّ أن مسّ البدن للبدن، أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيًا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم صحّة ذلك.
الأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلى التلذّذ بالأجنبية، لقلّة تقوى اللَّه في هذا الزمان وضياع الأمانة، وعدم التورّع عن الريبة، فالحق الذي لا شكّ فيه التباعد عن جميع الفتن والريب وأسبابها، ومن أكبرها لمس الرجل شيئًا من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدّها؛ كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود":
سَدُّ الذَّرَائِعِ إِلَى الْمُحَرَّمِ ... حَتْمٌ كَفَتْحِهَا إِلَى الْمُنْحَتِمِ
تنبيه:
قد ذكرنا في كلام أهل العلم في الزينة أسماء كثير من أنواع من الزينة، ولعل بعض الناظرين في هذا الكتاب، لا يعرف معنى تلك الأنواع من الزينة، فأردنا أن نبينها هاهنا تكميلا للفائدة:
أما الكحل والخضاب فمعروفان، وأشهر أنواع خضاب النساء الحناء، والقرط ما يعلق في شحمة الأذن، ويجمع على قرطة كقردة، وقراط، وقروط، وأقراط، ومنه قول الشاعر:
أَكَلْتُ دَمًا إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ ... بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
والخاتم معروف، وهو حلية الأصابع. والفتخ: جمع فتخة بفتحات وهي حلقة من فضة لا فص فيها، فإذا كان فيها فص، فهو الخاتم. وقيل: قد يكون للفتخة فص، وعليه فهي نوع من الخواتم، والفتخة تلبسها النساء في أصابع أيديهن، وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها، ومن ذلك قول الراجزة، وهي الدهناء بنت مسحل زوجة العجاج:
وَاللَّهِ لَا تَخْدَعُنِي بِضَمِّ ... وَلَا بِتَقْبِيلٍ وَلَا بِشَمِّ
إِلَّا بِزِعْزَاعٍ يُسَلِّي هَمِّي ... تَسْقُطُ مِنْهُ فَتَخِي فِي كُمِّي
والخلخال، ويقال له:
الخلخل حلية معروفة تلبسها النساء في أرجلهن كالسوار في المعصم، والمخلخل: موضع الخلخال من الساق، ومنه قول امرئ القيس:
إِذَا قُلْتُ هَاتِي نَوَّلِينِي تَمَايَلَتْ ... عَلَيَّ هَضِيمَ الْكَشْحِ رَيَّا الْمُخَلْخَلِ
والدملج: ويقال له الدملوج: هو المعضد، وهو ما شد في عضد المرأة من الخرز وغيره، والعضد من المرفق إلى المنكب، ومنه قول الشاعر:
مَا مَرْكَبٌ وَرُكُوبُ الْخَيْلِ يُعْجِبُنِي ... كَمَرْكَبٍ بَيْنَ دُمْلُوجٍ وَخَلْخَالِ
والسوار: حلية من الذهب، أو الفضة مستديرة كالحلقة تلبسها المرأة في معصمها، وهو ما بين مفصل اليد والمرفق، وهو القُلْبُ بضم القاف.
وقال بعض أهل اللغة: إن القلب هو السوار المفتول من طاق واحد؛ لا من طاقين أو أكثر، ومنه قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام رضي الله عنه:
تَجُولُ خَلَاخِيلُ النِّسَاءِ وَلَا أَرَى ... لِرَمْلَةَ خَلْخَالًا يَجُولُ وَلَا قُلْبًا
أُحِبُّ بَنِي الْعَوَّامِّ مِنْ أَجْلِ حُبِّهَا ... وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبًا
والمسكة بفتحات: السوار من عاج أو ذبل، والعاج سن الفيل، والذبل بالفتح شيء كالعاج، وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، ومنه قول جرير يصف امرأة:
تَرَى الْعَبَسَ الْحَوْلِيَّ جَوْنًا بِكُوعِهَا ... لَهَا مَسَكًا فِي غَيْرِ عَاجٍ وَلَا ذَبَلْ
قاله الجوهري في "صحاحه"، والمَسَك بفتحتين: جمع مَسَكة.
وقال بعض أهل اللغة: المسك أسورة من عاج أو قرون أو ذبل، ومقتضى كلامهم أنها لا تكون من الذهب، ولا الفضة، وقد قدمنا في سورة "التوبة"، في الكلام على قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ}، في مبحث زكاة الحلي المباح من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أبي داود النسائي: أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، الحديث. (26) وهو دليل على أن المسكة تكون من الذهب، كما تكون من العاج، والقرون، والذبل. وهذا هو الأظهر خلافا لكلام كثير من اللغويين في قولهم: إن المسك لا يكون من الذهب، والفضة، والقلادة معروفة، والله تعالى أعلم". (27)
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
9/ 1/ 1441
................................................................
1.     الترمذي ( 2518 ) والنسائي 8/327 وصححه الألباني في صحيح الجامع (1 / 569) (3377)
2.     البخاري 1/20 ( 52 )، ومسلم 5/50 ( 1599 ) ( 107 )
3.     البخاري (8 / 0) باب قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون }.
4.     البخاري 8/63 ( 6229 ) ، ومسلم 6/165 ( 2121 ) ( 114 )
5.     البخاري (6228) ومسلم (1334)
6.     البخاري 12/289 ( 6243) ومسلم (8/456، 457)
7.     وهو الثالث من الأقوال.
8.     قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين: فقال ابن مسعود ومن وافقه: هي الثياب. وقال ابن عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم. وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية.
فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد.
وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد؛ فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها. وهو قول مالك.
 وحقيقة الأمر: أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة. وجوّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم. وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجل وجهها ويديها. وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره. ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش فأرخى الستر ومنع أنسًا أن ينظر. ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها. فلما أمر الله ألا يُسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب: هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها. وقد حكى أبو عبيد وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها. ومن جنسه النقاب، فكنَّ النساء ينتقبن.
 وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين، فإذا كنّ مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن، وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب؛ كان الوجه واليدان من الزينة التي أُمِرت ألا تُظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة. فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين". مجموع الفتاوى (22 / 111)
9.     سنن أبي داود برقم (4104). وقال أبو داود: خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها. قال العلائي في جامع التحصيل ص 170: خالد بن دريك البناني روى عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما ولم يدركهما، قال شيخنا المزي وحكي عن أبي داود أنه قال: لم يدرك عائشة. أهـ.
وقال الزيلعي في نصب الراية 1/299، قال ابن القطان: ومع هذا فخالد مجهول الحال، قال المنذري وفيه أيضًا سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري نزيل دمشق مولى بني نضر تكلم فيه غير واحد، وقال ابن عدي في الكامل هذا حديث لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال فيه مرة عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة.
فالحديث لا يثبت ولا ينهض للاستدلال به.
10.                        تفسير ابن كثير (6 / 45)
11.                        الطبري في تفسيره (19/ 157) وقال الألباني في جلباب المرأة: "منكر، لضعفه من جهة إسناده، ومخالفته لما هو أقوى منه".
12.                        الجامع لأحكام القرآن (12 / 228)
13.                        الدر المنثور (11 / 22) باختصار.
14.                        أحمد (6/ 357)، والترمذي 4/ 151- 152، (1597)، وصححه، والنسائي (4181)
15.                        البخاري 7/48 (5232) ، ومسلم 7/7 (2172) (20)
16.                        فتح الباري (9 / 331)
17.                        فتح الباري (8 / 490)
18.                        فتح الباري (8 / 490)
19.                        الترمذي (1173) وحسنه. وصححه السيوطي في الجامع (9174) والمنذري في الترغيب (1/180)
20.                        الطبراني في المعجم الكبير (8914) (9/185)
21.                        البخاري (2/22) ومسلم (3/18)
22.                        وقد ورد هذا اللفظ في مسند أحمد من حديث جابر (14420) "فقالت امرأة من سفلة النساء، سفعاء الخدين". قال الأرناؤوط: "إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه النسائي في "المجتبى" 3/186، وفي "الكبرى" (1784)، وابن خزيمة (1460)، والدارقطني 2/46-47 من طريق يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد.
وقوله: "من سفلة النساء" بفتح السين وكسر الفاء، وبعض العرب يخفف، فيقول: من سفلة، فينقل كسرة الفاء إلى السين، أي: من النازلات رتبة، لا من عليتهن وخيارهن حسبا ونسبا، ووقع في رواية مسلم وابن خزيمة: "من سطة النساء"، ولضبط هذا الحرف والكلام عليه انظر "مشارق الأنوار" 2/214، و"شرح النووي" 6/175.
وقوله: "سفعاء الخدين"، قال ابن الأثير في "النهاية" 2/374: السفعة: نوع من السواد ليس بالكثير، وقيل: هو سواد مع لون آخر". مختصرًا.
23.                        البخاري (6228)
24.                        أي على فرض أنها كانت كاشفة لوجها.
25.                        أحمد (6/ 357)، والترمذي (1597)، وصححه، والنسائي (4181)
26.                        أحمد (2/178) (6667) وأبو داود (1563) والترمذي (637) والنسائي (5/38)
27.                        أضواء البيان (6/ 127-140) (6/ 383-396) مختصرًا.

الثلاثاء، 13 أغسطس 2019

قبول ولاية المتغلب في حقيقته قوّةٌ وليست ضعفًا

قبول ولاية المتغلب في حقيقته قوّةٌ وليست ضعفًا
الحمد لله وبعد: فينبز بعضهم السلفية بالضعف والخنوع لقولها بانعقاد ولاية المتغلب المسلم، والجواب من وجهين:
أولًا: أن هذا مقتضى الشرع، والأدلة في ذلك صحيحة صريحة كثيرة متنوعة، وبما أنها كذلك فيكفي المؤمن علمه بها ليستيقن قلبه وتطمئن نفسه ويعلم أن أمر الله كله خير.
ولكن لا يعني هذا ترك الإنكار على السلطان وإبراء الذمة بنصحه ونصح الأمة، والعمل على إقامة دين الله بحسب الوسع والطاقة.
ثانيًا: أنها قوة وعزة في الحقيقة وليست بضعف وهذا جليٌّ لمن تأمله، فالقبول للمتغلب ومبايعته ليس لشخصه بل لمركزه الذي يخوله القيام بأمر الناس، فإن غلبه غيره بويع المتغلب الآخر، لأن القبول بالأول ليس لشخصه بل لمكانه الذي يقيم به دين الناس ودنياهم.
وتأمل حال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي الرياض في وقت إمارة ابن رشيد للرياض فقد قاتل بشراسة وأفتى لأهل الرياض بالقتال ضد الملك عبد العزيز حينما أراد دخول الرياض للمرة الأولى إبان معركة الصريف المشهورة.
وبعد ذلك لم يعتذر الشيخ بل قال: قد كانت لهؤلاء بيعة في أعناقنا.
فالقضية إذن هي قضية مبدأ ودين، لا رَغَب ورَهَب.
وتأمل حال ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من الصحابة مع السلطان المتغلب المسلم والتزام بيعته والتشديد في نكثها، حتى لا تروج الفتن في الناس بسبب القتال على الإمرة.
ذلك أن الولاية - مُلكًا كانت أو إمرة أو سلطنة - فهي بمنظور الشرع إنما هي تكليف محض شاق يليه حساب شديد يوم الدين، وليست تشريفًا ومغنمًا، ولكن من وليَ وعدل فإنه يستحق أن يكون من السبعة الذين يكرمهم الله غدًا بأن يجعلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذلك أن ولايات السلطة المطلقة سمّ للروح ناقع لا يسلم منه إلا من كان شديد التحصين بالإيمان والورع.
هذا، ولخطر مقام السلطان وخطر زعزعته على أمن الناس وسكينتهم ودينهم فقد شدد الشرع في حرمة الخروج عليه أو نقض بيعته أو شق عصاه بلا مبرر ومسوغ من الشريعة.
وبالجملة فالمنهج السلفي ليس بدعًا من الأقوال والأفعال والمناهج، بل هو الممثّل للإسلام الصافي والسنة النقية من شوائب البدع وغوائل المحدثات، وهو التِّلادُ حقّا للأمة.
لذا فلا تعجب من كثرة الخصوم لمنهج السلف وكثرة التغبيش حول هدايته؛ فلشموخه ووضوحه ورسوخه وقوة حججه وقرب معانيه لم يبق لهم سوى ضجيج التائهين، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
إبراهيم الدميجي

(إذا جاءَ نصرُ الله والفتح)

(إذا جاءَ نصرُ الله والفتح)
الحمد لله وبعد، فإن النصر للإسلام مهما انتهت إليه ظنونُ الناس، وحقيقةُ النصر هي تديّن الناس بالإسلام واعتناقهم إيّاه ودخولهم في حوزته، وثباتُ أهله عليه، فثبات المؤمنين على الدين هو حقيقةُ نصرِ الدين، أما ملكُهُ للآفاق فليست كنصرِهِ في النفوس، وإن كنّا -بحمد الله -قد وُعدنا بهذا وهذا.
إنَ من المهمات في هذا العصر نشرُ التفاؤلِ بنصر الإسلام، والاستبشارُ بمستقبله، وحسنُ الظن بالله تعالى فيه، وبعظيم حكمته في أقداره، وحسنِ عاقبته للمؤمنين. فهو الذي وعد نبيَّه بعلوِّ دينه ونصر جنده وعزِّ شريعته مهما تكالبت عليها سباع الكفرة وضباع المنافقين. والتفاؤلُ بجمال المستقبل ليس ضعفًا إذا كان ناشئًا عن حسن الظن بالله تعالى وليس عن خوَر وعجزٍ وكسل، فاستفرغ جهدك في نصر دين الله ما استطعت لذلك سبيلا، وأحسن الظن بجميل تدبيره. واعلم أنّ الفرقانُ بين التفاؤل والأماني هو الجديةُ والعمل، فالأملُ محتاج لعمل. وأعظمُ الجدّيةِ هي الجديّةُ في الاستقامة على الإسلام، فدعوةٌ بلا استقامة؛ لا عمود لها ولا ثبات ولا صدقيّة، وإن أردتَ امتحان جدية رجلٍ في الاستقامة؛ فارقُب تبكيره لشهود صلاة الجمعة، ألا ما أقلّهم وأكْرِم بقليلهم.
 وقد يُظنُّ جهلًا بالمتفائلِ سذاجةً لقوّة تفاؤله، ولكن حقيقتُه حسن الظن بربّه ومعرفتُه بسنن الله في خلقه. فلا تخذُل نفسك بالقلق، بل أسعفها بالتفاؤل. ومهما كبَسَت على صدرك جيوشُ الهموم وتراكمت على روحك أرتالُ الغموم؛ فثمّ نورٌ في الروح، إنّه حسن الرجاء بالله تعالى. ومهما بلغ حجم جليد الكذب يومًا؛ فشمسُ الزمان كفيلةٌ بإذابته، حينها سيحصحصُ الحقُّ. ومع تتابع الفواجع الدامية في جسد الأمة؛ تبقى هناك ألطافٌ مدهشة غيرُ متوقعةٍ، ليس لها تفسير سوى لطفِ اللهِ المحض، (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم).
إن من تأمل أحوال الأمة يرى تكالب الأعداء عليها واستضعافهم لها وتنكيلهم بها ولكن هذه سنة الله تعالى في المداولة والمدافعة وله في ذلك الحكم الباهرة التي تتقاصر دون فهم تفاصيلها العقول، فعلى المؤمن أن يثق كل الثقة ويوقن كل اليقين بأنّ الله ولي الصالحين، وأنّه إن رضيَ عنه؛ فلا عليه ما فاته من غيره، فالخيرُ بحذافيره في مراضيه، والنعماءُ بكمالها بين يديه، وقد وعد – ووعده الحق – أنّ العاقبة للمتقين.
والحقُّ منصورٌ ومُمتَحنٌ فلا ... تعجب فهذي سنةُ الرحمنِ
وتدبر قول الله تعالى: (وما النصر إلا من عند الله) وقد ذكر الله هذا الحرف في آل عمران وكرره في الأنفال مختتما إياه في الموضعين بذكر اسميه الجليلين (العزيز الحكيم) فهو العزيز القوي الغالب، وهو الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها اللائقة وله الحُكمُ والحكمة، ولا نصر على الإطلاق إلا من الله وحده، فكلما احتجت لنصر – وأنت على الدوام كذلك – فردّد بقلبك: (وما النصر إلا من عند الله) فلن تنتصر على نفسك أو على غيرك من الإنس والجن وغيرهم إلا بحبل الله الناصر، فنصره حقيقي تام، ونصر غيره هباء فانٍ، فتعلّق به وحده واعبده حق العبادة.
لقد وعدنا الله بالنصر إن نصرنا دينه، وبالعز أن اعتصمنا به دون سواه، وبالتمكين إن مكّنّا عبادته في القلوب والأعمال، قال تعالى: (ولينصرن الله من ينصره) وقال سبحانه: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) وقال جل وعز: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) ولا يكفي الصبرُ لإدراك النصر، بل لا بد أن يُقرن بالتقوى (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا).
 وأبشر أخا الإسلام ببشرى الله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض) فالعاقبة للتقوى.
وبحمد الله فمهما صلصل الباطل وجلجل فهو إلى تباب، ويبقى الحق شامخًا راسخًا، وتدبّر أمر أهل الباطل حين: (سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) ثم كانت النهاية بأيسر طريق: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون) إنها سُنَّةُ الصراع بين الحق والباطل ونهايته: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا).
جيشٌ من الكفر مهزومٌ إذا صَدَقَتْ ... نيّاتُ قومي إلى أعلى أعاليها
وافرح – أخا الإيمان -ببشارة نبي الإسلام بنصر الله للإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها". وقال أيضًا: "ليبلغنّ هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيزٍ أو بذلّ ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلًّا يذل به الكفر".
 وتأمل حال الأمة اليوم، واعلم أنّ أحاديث آخر الزمان في الفتن جُلّها في العراق، والملاحم جُلّها في الشام، حتى طريق الدجال للحجاز يكون من بينهما، نعوذ بالله من مضلات الفتن، ونسأله جبرَ القلوب بعزّة الإسلام في قلوب أهله وميادينِ الجهاد في سبيله. وقال الحسن البصري رحمه الله: "لكلّ طريقٍ مختصرًا، ومختصرُ طريقِ الجنةِ الجهادُ". فالنصر للإسلام مهما طال الزمان، ولكل زمانٍ رجالُه.
خَلقَ اللهُ للحروبِ رجالًا ...  ورجالًا لقَصعةٍ وثَرِيدِ
ولا تكن –لك الله -من المُرجفين ولا البكّائين المتشائمين، وفي الصحيح: "إذا قال الرجل: هَلَكَ الناسُ، فهو أهلكُهُم". والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، واعلم أنّ نصرَ المؤمن وفوزَه لا يلزم منه كسبُ الحرب العسكرية، بل يكفي منه ثبات الناس على الإسلام والإيمان والفضيلة، وهذا معنًى حَسَنٌ تِكرَارُه في المجامعِ والخَلوات، فمن ثَبَتَ على دينه فهو المنتصر حقًّا مهما كان حال دنياه. فالعبرةُ الحقّ إنما هي بالدين الحق، أما الدنيا فمجرد مَمَرٍّ للسائرين. ورضوانُ الله عز وجلّ أصلُ جميع السعادات، وكلّها راجعة إليه، قال سبحانه لمّا ذكر نعيم الجنة: (ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم).
 وتذكّر دومًا تمام النعمة بالإسلام. قال ربنا عز وجل ممتنًّا: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) وتدبر قوله: (رضيت لكم الإسلام) وهذه أعظم نعمة في الوجود أن هدانا للإسلام ورضيه لنا للوصول إلى مرضاته، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أكملَ لهم الدين فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وأتمّه فلا ينقصه أبدًا، ورضيه فلا يسخطه أبدًا".
 فتذكر دومًا نعمة هداية الله لك بالإسلام (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب). وتفكّر كثيرًا كيف تمّمَ الله عليك النعمة في نفسك، وأراكَ العِبرة في غيرك، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
فلتكن – رعاك الله -من أصحاب المبادئ لا من أصحاب المصالح، واعلم أنّ المصالحَ تتدثرُ أحيانًا بثياب المبادئ، فتجمعُ ضِغْثًا على إبالة، وحَشَفًا وسُوءَ كَيْلَة. فإنْ يومًا ضعُفَتْ نفسُك وحارَ عقلُك وتحرّك يقينك وتزعزع جأشك؛ فتدبرْ خاتمة الصافات، وفيها يقول ربنا الأعلى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179)سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين).
لقد جعل الله تعالى معدَنَ الإسلامِ محفوظًا، فهو غير قابل للتغيير والنّحت والتبديل، قد يتغيّر بعض معتنقيه لكنّ حقيقته باقية محفوظة في صدور وسطور من شاء الله تعالى الله من عباده الذين حفظه بهم وحفظهم به. ومهما اشتدت ضراوة الحرب على الإسلام والتنكيل بأهله، ومهما علت قمم المكر به وكيده، إلا أنّ خصومَهُ يعودون منه بأحمالِ الخيبة، ذلك أنه كاملٌ في ذاته، عَصيٌّ على السقوط بكامله، حتى وإن تعثّر أهلُه لجهلٍ أو ضعفِ عزيمة أو ساعةِ خطيئة، لكنهم في الحقيقة يَعلُون به ولا يُعلى عليهم بغيره.
وأبشر أخا الإيمانِ فالفتحُ قادمٌ  ...   وإنْ أجلبَ الشيطانُ كلَّ النَّوَاديا
وليس على الأرض من جميع الأديان والثقافات خصمٌ ثقافي حضاري أخلاقي يقارب الإسلام، لذلك فلا نستغرب توحيدَ الهجمات المتتابعة عليه، قال تبارك وتعالى: (والله متم نوره) فدين الله نور يكتسح ظلام الجاهليات ويُبدِّدُ ظُلُمَ الشياطين ويهدي للحق المبين (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير)، وقال سبحانه: (ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وتدبر معنى الظهورِ المتضمنِ للعلوِّ والقهرِ والغلبة والوضوح.
 وقال الله تعالى في وصف أثر الإسلام على ظلمات الجهل والظلم والكفر: (يخرجهم من الظلمات إلى النور) فظلماتُهم كثيرةٌ، وسوادُها كثيفٌ، لكن الإسلام شمسٌ تسطعُ فتنير الأرجاءَ، وتضيء الأنحاءَ، وتُذيب أقنعة شمع الأعداء، قال المصباح المنير والبشير النذير صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وآله: "لنْ يشادَّ الدينَ أحدٌ إلّا غَلَبَهُ". وفي طلعةِ البدرِ ما يُغنيك عن زُحلِ.
لئِنْ عَزّ ديني واستُبيحَتْ جوارحي ... فأينَ مقامُ العزِّ إلا مقامِيا

إبراهيم الدميجي


عبرٌ من أصحاب الأخدود

عبرٌ من أصحاب الأخدود
الحمد لله وبعد؛ فعليك أيها الداعي لسبيل ربك – ولا بد أن نكون جميعًا كذلك – عليك بجادة الصابرين، محسني الظنِّ بلطفِ ربهم، ولا تلتفت لكل مثبّط أو حاسدٍ أو عدو: (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) فالله حق ووعده حق ونصره حق ولقاؤه يوم القيامة حق، فاصبر على الحق تكن من أهله، والله المستعان، (فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا).
 ولا تنس – إن نسيتَ – احتساب الأجر عند ربك، فما عند الله الغني الكريم البرِّ الشكور خيرٌ وأبقى لك مما عند خلقه الفانينَ الضعفاءِ الفقراء. وكلُّ عمل تعملُه لله محتسبًا أجره وذخره فستلقاه مغتبطًا به ما دمت مخلصًا متبعًا صابرًا، ولَنِعمَ الذخيرة تلك الذخيرة ولنعم الكنز ذلك الكنز!
وائتس في جميع ما يصيبك بنبيك صلى الله عليه وسلم، فعن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: "دُميت إصبعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك المشاهد فقال:
هل أنت إلا إصبعٌ دُميتِ  ... وفي سبيل الله ما لقيتِ
فلكل مصلح: امض لسبيلك متوكلًا على ربك مستنّا بنبيك ﷺ متأملًا هذا البيان الحاسم من رب العالمين: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد).
وليتدبّرِ الداعيةُ الموفقُ قصةَ أصحابِ الأخدودِ وما فيها من أنواع الصبر والمصابرة في ذات الله تعالى سواءً من الغلامِ أو الراهب أو المؤمنين حتى نساءَهم، لقد استحقت تلك القصةُ العظيمةُ الخلودَ في محكم تنزيل رب العالمين: (وما نقموا منهم إلا إن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد) فلا تخفى عليه خافيةٌ مهما دقّت أو جلّت، فهو شهيدٌ على المؤمنين الصابرين، حافظٌ لصبرهم في ذاته المقدسةِ العليّة، فصَبَرُوا أرواحهم قربانًا لوجهه سبحانه وبحمده، وشهيدٌ على الكافرين وطغيانهم وظلمهم وكفرهم. ومع شناعةِ جرمهم وفداحةِ ظلمهم وغليظِ كفرهم إلا أنّ الرحمنَ قد أشرعَ لهم بابَ التوبة على مصراعيه بقوله الأعزِ الأكرمِ الألطفِ: (ثم لم يتوبوا) فلا إله إلا الله ما أعظم حلم الله وأسبغَ رحمته وأوسع فضله.
وقد فصّل حبيبُنا صلى الله عليه وسلم قصةَ أصحاب الأخدود، فقد روى مسلم بسنده عن صهيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "كان ملِكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحرٌ، فلما كبر قال للملك: إني قد كبُرتُ، فابعث إليّ غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلامًا يعلمه.
 وكان في طريقه إذا سلك راهبٌ فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر، مرّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضيَ الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس.
 فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى فإن ابتليتَ فلا تدلَّ عليّ.
 وكان الغلام يُبرىء الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك - وهذه رسالة لكل طبيب لأدواء الأرواح أو الأجساد أن يعلّقَ العباد بربهم لا بعلمه وخبرته وطبّه، فهو مجرد سبب قد يتخلف لذاته أو لمانعٍ خارجٍ عنه، أما الشافي في الحقيقةِ فهو اللهُ وحدَه، قال إمام الحنفاءِ عليه السلام: (وإذا مرضت فهو يشفين). – قال: فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى، فأتى الملِك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبَهُ حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل! فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالى. فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الراهب.
 فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقّه حتى وقع شقّاه! - وتأمل كيف هرب هذا الراهب الصالحُ من الابتلاء فلحقه الابتلاء، وإنما يُبتلى المرءُ على قدر دِينه، والقدرُ لا مهرب منه، ولعلهُ خيرٌ له أن بلّغهُ منزلةَ الشهادةِ العظيمة، وأخرجه من سجن الدنيا لفسحة الجنان وجوار الرحمن جل جلاله بإذن الله تعالى ورحمته. وفيه الصبرُ العظيم لهذا الرجلِ، فلم يعطهم مرادَهم، بل صبر حتى قتلوه في الله ولله وإلى الله، ولا إله إلا الله. – قال: ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوُضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقّاه! - وتأمل كيف يفعلُ الإيمانُ المفعمُ باليقين والنصحِ فعلَهُ في قلوب الخلق، ويشبه هذان الصالحان سحرةَ فرعونَ الذين كانوا في بكرة النهار سحرة أشقياء وفي عشيته بررة شهداء. وتأمل حال صحابة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم كيف قاموا لله تعالى تلك المقامات المشهودة والمجاهدات المشهورة بعد أن بلغ الإيمانُ حُشاشةَ قلوبِهم فصفّى كدَرَها وشدّ ضعفها وبلَغَ بها مبلغ أكرمَ الخلق على الله تعالى بعد الأنبياء والمرسلين.
وهكذا يفعلُ الأبطالُ إذ صدقوا    وهكذا يعصفُ التوحيدُ بالوثنِ
فعلى المؤمن أن يثبُتَ على الحق، وأن يقومَ فيه لله تعالى لا يخشى فيه لومةَ لائم – قال:ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذُروته - أي قِمّته - فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت - وفيه غاية التوكل والتفويض وإخلاص الاستنصار بالله تعالى.- قال: فرجف بهم الجبل فسقطوا. - (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) فهو مجيب لدعوةِ المضطرِ مطلقًا، فكيف بوليّه الداعي إليه المُبتلَى في ذاته لإعلاء كلمته؟! (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فمال من هاد) (إن الله يدافع عن الذين آمنوا)-. قال: وجاء يمشي إلى الملك – وتأمل رحمك الله ثقة الغلام بوعد الله تعالى ومعيّته وتأييده، فلم يهرب ويختبئ، بل عاد ليدعو ذلك الملِكَ الظالمَ الضالَّ لعلمه أن في هداية الله له نفعًا عامًّا لرعيته بدخولهم في دين الله تعالى-. قال: فقال له الملِك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى - (وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا)
إنَّ المصائب ما تخطَّتْ دِينهُ ... نِعمٌ وإن صعُبتْ عليهِ قليلا
واللهُ ليسَ بغافلٍ عن أمرهِ ... وكفى بربّك ناصرًا وكفيلا
 قال: فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قُرقُور – أي سفينةً صغيرة - وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا.
 وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني - وفيه نقضٌ لدين هذا الملكِ الطاغوت، فقد جعل ذلك الغلامُ الفذُّ الملكَ يهدمُ الشركَ الذي بناه في قلوب الناس بهذا الفداء العظيم من هذا الشهيد الشاب – قال: فجَمَع الناسَ في صعيد واحد، وصلَبَه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع في صدغه، فوضع يده في صدغه فمات، - والصدغ هو ما بين العين والأُذن، وقد وضع يده عليه لتألُّمِهِ قبل وفاته رحمه الله تعالى، وبحمدِ الله فليسَ ألمُ القتل في سبيل الله شديدًا مهما كانت طريقته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يجد الشهيدُ من مسّ القتل إلا كما يجد أحدُكم من مسِّ القرصة" رواه الترمذي وصححه. قال: فقال الناس: آمنا برب الغلام! فأُتي الملك فقيل له: أرأيتَ ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس. - وهنا نصرُ اللهِ المؤزرُ لدعوةِ ذلك الغلام الصالح، وفيه أن الداعي إلى الله تعالى قد لا يُمهَلُ حتى يرى ثمار دعوته الطاهرة، بل قد يَسقي اللهُ تعالى بَذْرَتَه فلا تنمو وتثمرُ إلا بعد رحيله عن الدنيا إلى ربه تعالى، وهذا الأمرُ واردٌ حتى على الرسل الكرام، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُرضت عليّ الأممُ، فرأيتُ النبيَّ ومعه الرهيط، والنبيَّ ومعه الرجلُ والرجلان، والنبيَّ ليس معه أحد". متفق عليه. وتأمل قصةَ أصحابِ القرية في سورة (يس) كيف أرسل الله لهم ثلاثةَ رسلٍ، فكفروا بهم حتى أرسل الله عليهم الصيحةَ فأهلكتهم، ولم يذكرِ اللهُ تعالى أن قد آمن لهم سوى رجلٍ واحد!
قال: فَأَمَرَ بالأخدود بأفواه السكك فخُدّت وأَضرَمَ فيها النيرانَ، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، ففعلوا. حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعست – أي جبُنت وتردّدت -أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أُمَّهْ اصبري فإنك على الحق!".
ولست أُبالي حين أُقتَلُ مسلمًا   ..  على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ  ... يبارك على أوصالِ شِلْوٍ ممزّعِ
وبعد؛ ففي هذه القصة الهائلة بيانُ الصبر العظيم لذلك الراهب التقي الصالح، وكذلك جليسِ الملك الموفّق الصابر، والغلامِ الشهيد الناصح، فهو شيخُ الغلمان بحق، وهو الداعيةُ الصغير في سِنِّهِ، الكبيرُ في إيمانه وعمله ودعوته وشهادته وتخليد ذكره، فلم يَرُدّ هؤلاءِ الشهداءِ تهديدُ الطاغوت وأعوانِه، ولا قتلُهُم لهم هذه القَتْلات الشنيعة عن دينهم، فرحمهم الله وألحقنا بهم في الصالحين غيرَ خزايا ولا ندامى هو مولانا ومولاهم ونعم المولى ونعم النصير. وإنما تُعمر الديار ويُدفع البلاء بأمثالهم، بدعائهم وابتهالهم وصلاحهم ودعوتِهمُ العبادَ لسبيل الله تعالى.
وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء وأمثالَهم لأمته لتعلمَ الأمةُ أنَّ من عباد الله من يرجونه لا يرغبون لغيره، ويخافونَه لا يخشون سواه، وأن الله قد اختارهم وربّاهم واصطفاهم لحمل شدائد دينه في الدنيا ثم لنيل رضوانه وأجره في العُقبى.
وبنحو خبرهم جاءت الأخبار، فلا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، فعن أبي عبد الله خبّابِ بن الأَرَتّ رضي الله عنه، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدةً، فقلنا: ألا تستنصرْ لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان مَن قبلكم يؤخذُ الرجلُ فيحفرُ له في الأرض فيجعلُ فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدُه ذلك عن دينه! والله ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت لا يخافُ إلا اللهَ والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون". رواه البخاري.
فالإنسانُ عجولٌ بطبعه، وغريزةُ العجلة جِبِلّةٌ لا يسلمُ منها إلا القليلُ، قال عنه خالقُه ومسوّيه: (خُلق الإنسان من عجل) وقال: (وكان الإنسان عجولًا).
ولكنَّ هذه الجبلّةَ العجولَ ليست بعذر في ترك التأنّي، فلقد أصاب المتأني أو كاد، وأخطأ المتعجّلُ أو كاد، والعجلة أمُّ الندامة، إنما المقصود بيانُ أنَّ هذه الغريزةَ النفسانيةَ محتاجةٌ إلى مصابرةٍ حتى تكونَ منقادةٌ لخُلُقِ الأناةِ وعقلِ الرزانة. وقد بشّر صلى الله عليه وسلم أشجَّ عبد القيس بمحبة الله تعالى لأناته وحلمه، وأنه قد جبله عليهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: "إن فيك خَصلتين يحبُّهما الله: الحلمُ والأناة". رواه مسلم.
إنّ دين الله منصورٌ لا محالة، فليس على الدين خوفٌ حتى وإن تقلص في ناحية أو ضعُفَ تديّنُ الناسِ في أخرى، فاللهُ ناصرٌ دينَه ومتمُ نورِه ومظهرٌ سنةَ نبيه صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: (والله متم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون). فلا خوفٌ على السفينة، إنّما الخوف أن تمضي بدونك!
إبراهيم الدميجي

زيغةُ الحكيم


زيغةُ الحكيم
الحمد لله، وبعد: فإن حاجة الناس للعلماء ضرورة كضرورة المريض للعافية والمسافرِ للنجم الهادي، وسئل أهل مكة: كيف كان عطاء فيكم؟ فقالوا: كان مثلَ العافية، لا نعرف فضلها حتى تُفْقَد.
ألا وإنّ كثيرًا من النزاع بين المسلمين والخصوماتِ والبغيِ والفُرقة قد حدث حين تجاوز العلماءَ من ليس منهم، وأسقطهم من لم يعرف قدرهم.
ولقد تنبّه علماءُ الأمة لهذا الخطر المستشير والخطل المستطير، فصدحوا بحرمة ذلك السبيل وخطر ذلك المهيع، وأنّ من كان همُّه تسقّط عثرات إخوانه واصطياد زلاتهم وتكبير عيوبهم وستر حسناتهم وطعن نيّاتهم والتأليب عليهم فهو ضالٌّ ظالم، وأنّ الفرضَ حفظ قدر العالِم مع عدم متابعته إن أخطأ. فأصدروا وكرروا بيانات وفتاوى ووصايا، وفيهم كفاية ومَقنعٌ بحمد الله لمن أراد برْدَ السكينة في صدره، أما الهاوي فلا يرده عن هواه انتطاح القَمَرَين أمامه! ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، والله تعالى لا يُتَقرّبُ إليه بمعصيته، والسعيدُ من عُوفي. ومهلًا يا زارع الريح لتحصدنّ الزوبعة!
  لقد صاح العلماءُ فيمن خاف الوعيد من الاسترسال في ذلك وأنه منحدرٌ زلق، نهايتُه النزاع والفشل وذهاب الريح في الدنيا، ثم قبض الريح صفرًا من حسناتٍ رجاها أهلُوها غدًا ولكن لم ينالوها، لأنها لم تكُ حسناتٍ أصلًا، أو لأنها قد اقْتُصّتْ منهم في ديوان المظالم، وعساها أن تكفي عن مراكمة خطايا العباد على الظهر الظالمِ لهم في الدنيا.. رحماك ربي. (ليحملوا أوزارهم وأوزارًا مع أوزارهم) وعند مسلم (1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه؛ أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
إن العالِم بشرٌ مُعَرّضٌ للخطأ في فتواه، سواء من جهة عدم إدراك الصواب والتحرير أو من جهة طريقة البيان والتقرير، أو حتى من جهة النيّة والتجريد، فيطير بذلك أهلُ الشهوات والشبهات، فينشرون خطأ الفقيه، ويُطلقون ما قيّدَه، ويُعمّمون ما خصّصه، ويقيسون على فتواهُ ما ليس منها، إذّ همُّهم شهواتُهم لا هداياتُهم، وزلَّة العالِم زلّةُ العالَم ومضروب لها الطبل، نعوذ بالله من فتنة القول والعمل.
إن حَمَلة العلم يصِلُون ما أمر الله به أن يوصل، ويحفظون أقدار أولي الفضل والعلم والسابقة، ولا يعرف الفضلَ لأولي الفضلِ سوى أهلِ الفضل. والعاِلمُ العامل في المحلِّ رحمةٌ من الله وبركة على أهله تمشي على قدمين، قال يوسف بن أسباط: كان أبي قدريًّا، وأخْوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان. وتأمل جميل ثناء ابن القيم عن شيخه ابن تيمية لمّا كان سببًا -بإذن الله -للأخذ بيد ابن القيم للسنة المحضة. والموفّقون هم من يحفظون قدر العالِم حتى وإن تعثّر ببعض البدع أو الأخطاء أو الاجتهادات التي لا تُخرجه من أصول أهل السنة الكليّة.
 قال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: "ليس من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيب. ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبُه، ومن كان فضلُهُ أكثر من نقصه؛ وُهِبَ نقصُهُ لفضله". (2) وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: "ولو أن كلّ من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخّيه لاتّباع الحق أهدرناه وبدّعناه؛ لقلّ من يسلم معنا من الأئمة". (3) وقال: "ليس من شرط العالم ألا يُخطئ" (4) إلا ما أجمل الإنصاف وأعزَّه وأروَعه وأوْرَعه!
وثمّة خيط رفيع بين تقديرِ العلماء وتقديسِهم، فالأولُ واجب محمود والثاني ممنوع. وبعض الناس فرّ من الثانية فألحق بها الأولى، وهذا خطأ، فالعلم رَفَعَهُم.
وكيف لا يكون ذلك لهم وهم مِلْحُ الناس وزينةُ الأرض وحَلَى الدنيا، وهم نجومٌ لا يضل معها الساري، ومنهلٌ يرتوي منه الصّادي، ولا تزال قلوب العابدين بعلومهم معمورة، وصدورهم من وصاياهم مأهولة. والعلماءُ هم شُهب الله على المبطلين، ورجومُه على رؤوس المجرمين، وعلى امتداد تاريخ الأمة المجيد نجد أن الأمة قد مَرّت بمنعطفات صعبةٍ للغاية، وكان فضلُ توجيهِها بعد الله على أيدي حفظوا الأمانة فحفظتهم، اللهم أكثر مخلصيهم وأقوياءهم وزهادهم إله الحق.
ولنأخذ مثالين على بَرَكَةِ العالم وحسنِ أثره في الناس، وعظيم صبره وجميل إنصافه، ورِفْقِهِ في الحِجَاج مع قوّة البرهان وشدّة الإلزام، وهما خبرَ ابنِ عباس وخبرَ جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهم، وكلاهما مع أشدّ الناس في الخصومة، وهم الخوارج.
ففي خَبرِ ابن عباس رضي الله عنهما مع أهل النهروان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إنّه لما اعتزلت الخوارجُ دخلوا دارًا وهم ستة آلاف، وأجمعوا أن يخرجوا على علي بن أبي طالب وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معه. قال: وكان لا يزال يجيء إنسان فيقول: يا أمير المؤمنين، إن القوم خارجون عليك -يعني عليًّا -فيقول: دعوهم، فإنّي لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسوف يفعلون. فلما كان ذات يوم، أتيتُه قبل صلاة الظهر فقلت له: يا أمير المؤمنين، أبرِدْنَا بالصلاة، (5) لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم. فقال: إني أخافهم عليك (6) فقلت: كلّا، وكنتُ رجلًا حَسَنَ الخُلُقِ لا أوذي أحدًا، فأَذِنَ لي.
 فلبستُ حُلّةً من أحسن ما يكون من اليمن، وترجّلت، (7) ودخلتُ عليهم نصف النهار، فدخلتُ على قومٍ لم أر قومًا قطّ أشدَّ منهم اجتهادًا، جِباهُهم قَرَحَتْ من السجود، وأيديهم كأنّها ثَفِنُ الأبل، (8) وعليهم قُمُصٌ مُرَحضَة، (9) مشمّرين، مُسَهَّمَةً وجوهُهم (10) من السهر، فسلّمتُ عليهم، فقالوا: مرحبًا يا ابن عباس، ما جاءَ بك؟
 قال: قلت: أتيتكم من عندِ المهاجرين والأنصار، ومن عندِ صِهْر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عليٌّ، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلمُ بتأويله. فقالت طائفة منهم: لا تُخاصموا قريشًا فإن الله قال: (بل هم قوم خَصِمُون) فقال اثنان أو ثلاثة: لنُكَلِّمنّه.
فقلت لهم: تُرى ما نَقَمتُم على صهرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصار، وعليهم نزل القرآنُ، وليس فيكم منهم أحد، وهم أعلم بتأويله منكم؟ قالوا: ثلاثًا. (11) قلت: ماذا؟ قالوا: أمّا إحداهُن: فإنّه حَكّم الرجال في أمر الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: (إنِ الحُكْمُ إلا لله) فما شأنُ الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل؟ فقلت: هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأما الثانية: فإنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم، فلئن كانوا مؤمنين ما حَلّ لنا قتالُهم وسِباهم. قلت: وماذا الثالثة؟ قالوا: إنهَ مَحَا نفسه من أمير المؤمنين، إن لم يكن أميرَ المؤمنين، فإنه لَأَميرُ الكافرين. قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا.
 قلت لهم: أما قولكم: حَكّم الرجال في أمر الله عز وجل، أنا أقرأ عليكم في كتاب الله عز وجل ما ينقض قولَكم، أفترجعون؟ (12) قالوا: نعم. قلت: فإن الله عز وجل قد صَيَّر من حكمِهِ إلى الرجال في رُبعِ درهمٍ ثمن أرنب، وتلا هذه الآية: (لا تَقْتُلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ) إلى آخر الآية. وفي المرأة وزوجِها: (وإن خفتم شقاقَ بينِهِما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها) إلى آخر الآية. فنشدتُكم بالله، هل تعلمون حُكْمَ الرجال في إصلاح ذاتِ بينهم، وحقن دمائهم، أفضلَ، أم حكمَهم في أرنبٍ وبُضْعِ امرأة؟ فأيّهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه. قال: خرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم. (13)
 قلت: وأما قولُكم: قاتَلَ ولم يسْبِ ولم يغنم، فتَسْبُونَ أمَّكم عائشة؟ فوالله لئن قلتم: ليست بأمِّنا، لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم: نَسبيها نستحلُّ منها ما نستحل من غيرها، لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين الضلالتين، إن الله عز وجل قال: (النبي أوْلى بالمؤمنين من أنفُسِهِم وأزواجُهُ أمهاتُهم) فإن قلتم: ليستْ بأمّنا، لقد خرجتم من الإسلام، أخرَجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
 وأما قولكم: مَحَا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون: يوم الحديبية، كاتبَ المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيلَ بنَ عمرو، فقال: "يا عليّ، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمدٌ رسولُ الله"، فقال المشركون: والله لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهمَ إنك تعلمُ أني رسولُك، امْحُ يا علي، اكتب: هذا ما كاتب عليه محمد بن عبد الله"، فوالله لرسولُ الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ من عليٍّ، فقد محا نفسه. قال: فرجع منهم ألفان، وخرج سائرُهم فقُتلوا". (14) وقد وقع عند عبد الرزاقِ والطبراني أن عدد الحرورية حين خرجوا كان أربعةً وعشرين ألفًا، رجع منهم بعد مناظرة ابن عباس عشرون ألفًا، وبقي أربعة آلاف، فقتلوا، والله أعلم.
أما خبرُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما فقد حدّث به يزيدُ بن صهيب الفقير، قال: "كنت قد شَغَفَنِي (15) رأيٌ من رأي الخوارج. فخرجنا في عِصَابةٍ ذوي عدد، نريد أن نحجّ ثم نخرجُ على الناس. (16) قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله جالسٌ إلى سارية يُحدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا هو قد ذكر الجَهَنَّمِيِّين، (17) فقلت: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم (18) ما هذا الذي تحدثوننا؟ والله يقول: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) و(كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) فما هذا الذي تقولون؟
 قال: أتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فاقرأ ما قبله، (19) إنه في الكفار، ثم قال: فهل سمعتَ بمقام محمدٍ الذي يبعثُهُ الله فيه؟ (20) قلت: نعم، قال: فإنّه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمودُ الذي يُخرج الله به من يُخرج، قال: ثم نَعَتَ وضعَ الصراط، ومرَّ الناس عليه، قال: وأخافُ ألا أكون أحفظ ذاك، (21) قال: غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، (22) قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، (23) قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا، قلنا: ويحَكُمْ، أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فرجعنا، فلا والله ما خرج غير رجل واحد، أو كما قال". (24) ولحديث الشفاعة العظمى روايات أوفى في الصحيحين وغيرهما.
ومن كان لهم مقام في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ونحو ذلك من مقامات الإسلام فإن إقالة عثرته متأكدة في حقه أبلغ من غيره، مع عدم متابعته فيها، فحفظُ السابقة من هدي السلف. قال ابن القيم رحمه الله: "ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالحٌ وآثار حسنةٌ، وهو من الإسلام وأهله بمكانٍ، قد تكون منه الهفوة والزلَّة، هو فيها معذورٌ بل مأجورٌ لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامتُهُ في قلوب المسلمين". (25) وتأمل ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود". (26)
وللهِ مُعاذٌ ما افقهه! فعن يزيد بن عميرة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "تكون فتنةٌ يكثر فيها المال، ويُفتح فيها القرآن حتى يقرأَهُ المؤمنُ والمنافق والصغير والكبير والرجل والمرأة، يقرأه الرجل سرًّا فلا يُتبَعُ عليها، فيقول: والله لأقرأنّه علانية، ثم يقرأه علانية فلا يُتبع عليها، فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس في كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإيّاكم وإيّاه فإنّ كلّ ما ابتدع ضلالة.
 قال يزيد: ولما مرض معاذ بن جبل مرضه الذي قُبض فيه كان يُغشى عليه أحيانًا ويفيق أحيانًا، حتى غُشي عليه غشيةً ظننّا أنه قد قُبض، ثم أفاق وأنا مقابله أبكي! فقال: ما يبكيك؟ قلت: والله لا أبكي على دنيا كنتُ أنالُها منك، ولا على نسب بيني وبينك، ولكن أبكي على العلم والإيمان الذي أسمع منك يذهب.
قال: فلا تبك، فإنّ العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، فابتغه حيث ابتغاه إبراهيم عليه الصلاة السلام، فإنه سأل الله تعالى وهو لا يعلم وتلا: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) وابتغه بعدي عند أربعةِ نفرٍ، وإن لم تجده عند واحد منهم فسلْ عن الناس أعيانَه؛ عبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وسلمان وعويمر أبو الدرداء. وإياك وزيغةَ الحكيم، وحُكْمَ المنافق". (27)
وفي رواية له عن معاذ – وفيها -: ". وأحذِّركم زَيغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق" قال: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: "بلى، اجتنِبْ من كلام الحكيم المشْتَهِراتِ التي يقال: ما هذه؟ ولا يَثْنِينَّك ذلك عنه فإنه لعله يُراجِع، وتَلَقَّ الحق إذا سمعتَه، فإن على الحق نورًا". (28)
 فرضي الله عن معاذ إذ أعطانا معيارًا ومنهاجًا في التعامل مع أهل العلم ومن تشبّه بهم ممن ليس منهم، حالَ صواب الجميع أو خطئهم.
 وانظر لسوسة القلب حين تنحت فيه حبَّ التصدّر والظهور والعلوِّ على الخلق، وكيف قرأ القرآن سرًّا فلم يتبعه الناس، فقرأه جهرًا فلم يتبعوه، حتى آل به الأمر أن اتّخَذ مسجدًا وأحدث بدعًا وضلالات. فمقصودُه ليس وجهَ الله والدارَ الآخرة مهما حفظ من العلوم ودرس على المشايخ وقرأ من الكتب، بل العلوَّ في الأرض عن طريق التصدر على منابر العلم، فاحذر يا طالب العلم أن تبتغيَ العلوَّ في الأرض على أقرانك وعلى الناس، وابتغِ سموَّ السماء بتقواك ومنازلَ الآخرة بنصحك وتواضعك، فإن الله تعالى يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين).
وتأمل فقه معاذ رضي الله عنه في تحذيره من زيغة الحكيم، لذلك فلا تُعنِقِ فَرِحًا بكل نكتةٍ علميّة انقدحت لك، فما كلّ ما يلمع ذهبًا ولا كل بيضاء شحمة، وكم من قدحةٍ قاتلة، وكم من دهليز جهل على باب فِكْرَة، وكم أعرض الراسخون عن مسائل صانوا بها صفاء علومهم.
وبالجملة: لا تفرح بالطارف على التليد، واجتنب في العلم الغرائب، فالغريب مريب. وعليك بجادّة السالفين الأُوَل ذوي الأمر الأول والنمط الأوسط، الذين وقفوا عن علمٍ، وكفّوا عن ورع.
وحينما تحدثك نفسك يا طالب العلم بظَفَرٍ في مسألة، فلا تظنّ أنّ الأكابر قد كفّوا عنها لجهل، لذا تأنَّ كثيرًا حتى تعلم سبب رغبتهم عنها فلعله الصواب، واحذر من أن تتخذ قولًا أو عملًا ليس لك فيه سلف صالح، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وسَبْعُ الأفكارِ أضْرَى من سبعِ الأجساد.
فقل لمن يدّعي في العلم معرفةً   ...  حفظتَ شيئًا وغابتْ عنك أشياءُ
واعلم أن التريّث والتحرير ومشاورة أهل الاختصاص لها ثمراتها: فقد يكون الواردُ مطروقًا قد فصّله السابقون ولم تعلم به، أو كان سببه ومقتضاه قائمًا فتركوه تورّعًا، أو تبيّن لهم بطلانه لِعِلّة لم تدركها.. أو غير ذلك.
ولا يعني هذا ترك الاشتغال بكل واردٍ فكريّ جديد، فهذا ليس بمقصود، فالتقليد المحض ليس بعلمٍ، والتقيّدُ بقيد الأمر السائد قصورٌ في التحصيل، والإبداعُ النافع مطلب شرعي، بل القصد هو التمهّل والتريّث والأناة والمشاورة للراسخين لتحرير الوارد من فروع العلم قبل نشره، لأنه في يدك حتى يطير في الأرجاء، فإن كان مُحرّرًا فنعمّا هو، وإن كان غير ذلك فعليك غُرمُهُ وتَبِعَتُه.
 وبالجملة: فإياك أن تستوليَ برودةُ عادتك على حرارة قريحتك؛ فيستبدّ بك التقليد الجافّ وتنطفئ شعلتُك المضيئة، حينها تكون قد كسرت شراعك ودفنت إبداعك.
ومما يؤسف له أن بعضًا من أمور الأمّة المُلحّة (العصريّة) لا نجد لبعض الأكابر حديثٌ فيها ترفّعًا أو تزهّدًا أو انشغالًا – مع انتشارها بين الناس كنار الهشيم – فنشأ عن اعتزال هؤلاء الكلام فيها أن انبرى لها غيرُ أهلها فألقحوها الضلال، فاستيقظ أصحابنا وصاحُوا بأهله -بعد خراب البصرة -وخير لهم أن يصيحوا بأنفسهم أوّلًا.. فقد ذهبتْ ليلى فما أنت صانع؟!  
 ولله درّ ابن مسعود ما أحكمه حين قال: "إنكم لن تزالوا بخيرٍ ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم سفَّه الصغيرُ الكبيرَ". (29)
ولقد مرّ الإمام أبو حنيفة رحمه الله على جماعة يتفقهون، فقال: ألهم رأسٌ؟ قالوا: لا. قال: إذن لا يفلحون أبدًا. (30) ومن بديع شعر عبد الوهاب بن على المالكي رحمه الله:
متى يصلُ العِطاشُ إلى ارتواءٍ   ...   إذا استَقَتِ البحارُ من الرَّكايَا
ومن يُثْنِي الأصاغِرَ عن مُرادٍ   ...   إِذا جلس الأكابرُ في الزَّوايَا
إذا استوتِ الأسافلُ والأعالي   ...    فقد طابت مُنَادَمَةُ المَنَايا
إن الله تعالى قد جعل العالِم بركة للناس، ونجمًا في السماء للحق هاديًا، بما ينشره من علم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله وسمته وخُلُقه. فهو وارثُ تركةِ الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي يوزّعها على الناس ويَهديهم – بإذن الله -لها، ولا يزال في الأمة خير ما كان فيها علماء ربانيون يصِلُون حاضرَ الأمة بصدرها الزاهر المنير. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وحزبه.
إبراهيم الدميجي
...........................................................................
(1) (8/18) ( 2581 ) ( 59 )
(2) التمهيد (11/ 170)، الكفاية (79)
 (3) السير (14/ 374)
(4) السير (14/ 339)
 (5) أي أخّر صلاة الظهر عن أول وقتها، وهو سنة عند اشتداد الحرّ، وغرضه إفساح الوقت له كي يدرك صلاة الجماعة بعد المناظرة رضي الله عنه.
(6) لأنهم قد قتلوا ابن خباب لما مرّ بهم وزوجه الحامل وقتلوا غيره كثير، لاستحلالهم دماء مخالفيهم، فهم يكفّرون من ليس معهم، ففتنتهم شديدة وشرّهم مستطير، ووُصفوا في السنّة بشرِّ الخلق والخليقة.
(7) أي سرّح شعر رأسه.
(8) أي: رُكَبِها الغليظة.
(9) أي: مغسولة.
(10) أي: متغيرة ألوانها من الصيام والقيام، وهذا من إنصافه رضي الله عنه، فانظر عظيم فتنة ابليس بهم كيف وهم مع هذا الحال من شديد العبادة وابتغاء التقوى ودقيق الورع، (ومن يضلل الله فما له من هاد) ولهم نصيب من قول الله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). وما من أمرٍ لله إلا وللشيطان فيه حظّان لا يُبالي بأيّهما أسقط العباد: الزيادة والنقصان. 
وتأمل مدى ضلالهم في قصتهم مع التابعي الجليل عبد الله بن خباب وزوجه، وقد ساقها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7 / 318) بقوله: "وكان من جملة من قتلوه عبدَ الله بنَ خبّابٍ صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبدُ الله بنُ خبابٍ صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّكم قد روّعتموني. فقالوا: لا بأس عليك، حدّثنا ما سمعتَ من أبيك فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون فتنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي". رواه أحمد (1446). فاقتادوه بيده، فبينما هو يسير معهم إذْ لقي بعضهم خنزيرًا لبعض أهل الذمة فضربه بعضُهم فشقّ جلدَه، فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمّي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحلّه وأرضاه، وبينا هو معهم إذ سقطت تمرةٌ من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغيرِ إذنٍ ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدّموا عبد الله بن خبّاب فذبحوه، وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها"! عائذًا بربي من مضلات الفتن.
(11) وفي هذا التثبّت من استدلال المخالف فقد تكون حجة عليك قبولها ولإذعان والتسليم لها، وقد تكون شبهة عليك أن تكشفها له وتبطلها من عينيه.
(12) وفي هذا إلزام الخصم بالرجوع عن قوله إن تبين له بطلانه، وقد كانت هذه طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود وغيرهم.
(13) وتأمل حسن السياق والترتيب والإلزام وإخلاء شبهة الخصم من مضمونها ومبرّرها.
(14) عبد الرزاق في المصنف (18678) والطبراني (10598) والحاكم (2/150) وغيرهم، وذكر أحمد في المسند (3187) طرفًا من القصة بسند جيد. وقد رويت قصة أمر النبي صلى الله عليه بمحو "محمد رسول الله" في البخاري (2731) و(2732) ومسلم (1784)
(15) أي تملّكني بأن دخل شغاف قلبي، والشغافُ: غلافُ القلب.
(16) ولا أعلم أن الخوارج جالدوا المشركين يومًا، وتأمل الحال مع الغلاة في هذا الزمان كيف يقتلون المسلمين ويدعون المشركين متذرعين بأن القريب مرتد والمرتد يقتل قبل الكافر الأصلي، هكذا بلا إقامة حجة ولا إبانة محجة، كيف والحجة عليهم لا لهم، (ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدًا) وهذه خصلة الخوارج فقد وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرميّة، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد". البخاري (7432) ومسلم (1064) فمشكلتهم في ضلال العلم لا نقص التعبد وقوّة الإرادة، (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) فمن هذه الوجه فيهم شبه من النصارى الضالين. وقد روى عبد الرزاق في تفسيره (2/299) والحاكم في المستدرك (2/522) عن أبي عمران الجوني قال: مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بديرِ راهبٍ، فناداه: يا راهب، يا راهب، فأشرف، قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عز وجل في كتابه: (عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) فذاك الذي أبكاني. وإن كان هذا الخبر لا يثبتُ لأن أبي عمران لم يدرك زمان عمر، إنما المراد مغزى القصة لا حقيقتها، ففيها قرعٌ لفؤاد المؤمن تنبيهًا لعظم شأن هدايته للإسلام والإيمان، (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) فلا نعمة تضارعها، واعلم أن كثيرًا من أهل الضلال من الملل والنحل هم أذكى منك عقولًا لكن الله تعالى لم يشأ لهم الهدى، فالهدى محض توفيق الله وحده. واعتبر ذلك بحال ذلك المنصّر الأمريكي الضال المضل إذ يقول: يعزّ علي حرص المسلمين على ارتياد المسجد خمس مرات ودينهم باطل! (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا).
(17) وهم الذين يخرجهم الله تعالى من النار فيدخلهم الجنة، وهم من أهل الكبائر من الموحدين، وهذا ينقض أصل الخوارج الأعظم بقولهم بتكفير مرتكب الكبيرة مطلقًا، فحديث الشفاعة ثابت في الصحيحين، وفيه ذكر الجهنّميين.
لذلك أوصى عليٌّ ابنَ عباس رضي الله عنهم أن يُحاجج الخوارج بالسنة، وقال له: لا تجادلهم بالقرآن؛ فإن القرآن حمَّال وجوه، ولكن جادلهم بالسنة، قال ابن عباس: "يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم، في بيوتنا نزل، قال: صدقت، ولكن القرآن حمّالٌ ذو وجوه، تقولُ ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصًا". وقد عزاه السيوطي في الإتقان (2/ 122) إلى ابن سعد. كذلك نُقِلَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تجادلوهم بالقرآن فإنه حمال وجوه ولكن حاجِجُوهم بالرواية. أي بالسنة المرويّة.
لذلك فالخوارج لا يَعُدّون السنة من مصادر التلقي لديهم، ولو علموا تأويل القرآن ما فعلوا فالسنة شارحة القرآن، قال تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نزل إليهم) فالمبين هو رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وقد أمر الله تعالى في القرآن أكثر من أربعين مرة بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد حدّث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن، المُغيّرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك: أنك قلت: كذا وكذا.. وذكرته؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته، قال: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قالت: إني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن؟ قال: اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر شيئًا، فجاءت، فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها". رواه البخاري (6/184) ومسلم (6/166) ومعنى المتنمصات: من النمص وهو ترقيق الحواجب وتدقيقها بالموسى ونحوه طلبًا للحُسن، والنامصة التي تصنع ذلك بالمرأة، والمُتنمصة التي تطلبه. والمتفلجات: هن اللاتي يطلبن الفَلج بصناعة وهو تباعد ما بين الثنايا. ومعنى لم نجامعها: أي لم أجتمع معها كناية عن طلاقها إن هي فعلت.
 (18) ففي يزيد خير بتوقيره للصحابة، لذلك يسّر الله تعالى له الهدى على أيديهم رضي الله عنهم.
(19) أي اقرأ سياق الآية وسباقها، فلا تكن كمن قرأ (ويل للمصلين) دون ما بعدها. وأمثال ذلك في القرآن العزيز كقوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً) فيبتدئُ من قوله: (ما وعدنا). ومثل أن يبتدئ بقوله: (إن الله) في قوله تعالى: (لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ) وقوله: (لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ) ونحو ذلك. ومراد جابر التنبيه للسياق العام لخبر الآيات وأنها ليست كما فهمها الخوارج لأنهم اقتصروا على جملة دون سياقها.
(20) وهنا يحتج جابر بالسنة التي فيها قطع لنزاع المخالفين، وهذا تمام الفقه. فيشرح بالسنة قول الله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فقرره بالقرآن ثم ألزمه بالسنة.
(21) وهذا من ورعه رحمه الله.
(22) وإلى هذا الموضع قَصَدَ حابرٌ لأن فيه إبطالٌ لأصل الخوارج في تكفير صاحب الكبيرة، وهو ما انتبه له يزيد وكان فاتحة خير لتوبته وأصحابه من منهجهم المُظلم.
(23) عيدان السماسم: السماسم: جمع سمسم، وتكون عيدانه سودًا دِقاقًا بعد أخذ ثمرة السمسم ورميها، فشبه الجهنميين الذين أخرجهم الله من النار إلى الجنة بها أثناء إخراجهم من النار بعدما امتحشتهم وأحرقتهم، عياذًا بالله تعالى.
(24) مسلم (1/123)
(25) إِعلام الموقعين (3 / 283)
(26) رواه أبو داود (4375) وغيره، وصححه الألباني في الصحيحة (638) وصحيح الجامع (1185)
(27) المستدرك (4 / 465) (8440)
(28) أبو داود (4611) بسند حسن.
(29) ابن عبد البر في جامع العلم (1 / 159)
(30) الفقيه والمتفقه للخطيب (790)