الثلاثاء، 11 مارس 2014

الإفساد لن يكون طريقاً للإصلاح

الإفساد لن يكون طريقاً للإصلاح

محمد بن عبد السلام الأنصاري

من المتقرر في الشريعة أن المنكر مهما كبر أو صغر لن يكون طريقاً إلى كسب نيل رضى الرب تبارك وتعالى؛ لأن رضى الله عز وجل وطاعته لن تنال ويتوصل إليها إلا بما شرعه ورضيه ديناً؛ ولا يكون كذلك الإفساد طريقاً إلى الإصلاح؛ لأن الإفساد مناقض للإصلاح.
والدين في جميع نصوصه قد حذر من ارتكاب الفواحش وركوب المنكرات؛ وإن من المنكر أن يصبح المنكر طريقاً لتغيير المنكر؛ أو إزالة الظلم؛ ويكون الإفساد سبيلاً لإصلاح الفساد.
يقول الله تعالى: {… إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } [يونس: 81]، 
وقال تعالى: {… وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85]. 
وقال تعالى: {… وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]
وقال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [البقرة: 205]
قال الإمام الطبري في تفسيره (4/ 237):
اختلف أهل التّأويل في معنى الإفساد الّذي أضافه اللّه- عزّ وجلّ- إلي هذا المنافق: فقال: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطّريق، وإخافته السّبيل كما حدث من الأخنس بن شريق. وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرّحم وسفك دماء المسلمين … وقد يدخل في الإفساد جميع المعاصي، وذلك أنّ العمل بالمعاصي إفساد في الأرض، فلم يخصّص اللّه وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض. ا.هـ.
وقال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].
يقول ابن كثير في تفسير ه (3/ 429): 
ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد. فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه.
وقال القرطبي في تفسيره (7/ 226):
فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نَهَى عَنْ كُلِّ فَسَادٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَعْدَ صَلَاحٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ عَلَى الصَّحِيحِ من الأقوال.
يقول ابن حجر الهيتمي -بعد أن ذكر الآية الكريمة (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) (المائدة/ 33)-: 
كما ذكر اللّه تعالى تغليظ الإثم في قتل النّفس بغير حقّ، والإفساد في الأرض أتبعه ببيان نوع من أنواع الفساد في الأرض؛ وذكر أنّ عدّ هذا الفساد كبيرة هو ما صرّح به جمع، وصرّح بعضهم أنّه بمجرّد قطع الطّريق وإخافة السّبيل ترتكب الكبيرة، فكيف إذا أخذ المال، أو جرح، أو قتل، أو فعل كبائر. الزواجر (565، 568)
ثم كيف يكون الفساد والإفساد طريقاً للصلاح وقد أُمر المصلحون بإنكار الفساد، الذي هو ضمان سلامة المصلحين؛ كما قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116].
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } [هود: 117]
والشريعة جاءت بتكثير المصالح وأمرت بتعطيل المفاسد؛ كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في الاستقامة (1/ 288):
والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فهي تحصل أعظم المصلحتين بفوات أدناهما وتدفع أعظم الفسادين باحتمال أدناهما فإذا وصف المحتمل بما فيه من الفساد مثل كونه من عمل الشيطان لم يمنع ذلك أن يكون قد وقع به ما هو أحب إلى الشيطان منه ويكون إقرارهم على ذلك من المشروع فهذا أصل ينبغي التفظن له.
بل المصلحة المحضة إن كانت ستنقلب إلى مفسدة نهي عنها لأجل أن لا تتخذ ذريعة إلى إشاعة الفساد؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في الاستقامة (1/ 330):
فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح لم يكن مشروعا، وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدفع أدنى الفسادين بأعلاهما؛ بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين. ا.هـ.
وروى الإمام أحمد وغيره عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا أتيت على راع فناد ثلاث مرّات، فإن أجابك وإلّا فاشرب من غير أن تفسد، وإذا أتيت على حائط بستان فناد صاحب البستان ثلاث مرّات. فإن أجابك وإلّا فكل من غير أن تفسد» 
ولما كان الفساد سينتشر في آخر الزمان كان من علامات الصادقين المتشبهين بالرعيل الأول أنه يصلحون ما أفسده الناس؛ كما روى الترمذي في سننه عن عمرو بن عوف رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ الدّين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحيّة إلى جحرها، وليعقلنّ الدّين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إنّ الدّين بدأ غريبا، ويرجع غريبا، فطوبى للغرباء؛ الّذين يصلحون ما أفسد النّاس من بعدي من سنّتي»
ولذلك جاء الجزاء لمن لا يبغون في الأرض فساداً بأن كان مكانهم جنات النعيم في الدار الآخرة كما قال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.



رابط الموضوع : http://www.assakina.com/taseel/16236.html#ixzz2vdyD26KC

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق