الاثنين، 10 مارس 2014

شبهة أن الحكام طواغيت قد سجنوا العلماء ونشروا الفساد

شبهة أن الحكام طواغيت قد سجنوا العلماء ونشروا الفساد

مما يردده الغلاة من الشبه والاستدلال على ستر فعالهم القبيحة قولهم: بأن الحكام طواغيت، وقد سجنوا العلماء ونشروا الفساد، فيجب الخروج عليهم وقتالهم.
فهل هذه الشبهة مما يخول لهؤلاء الغلاة الخروج على حكام المسلمين وقتالهم، وهل سجن العلماء أو غيرها من المعاصي مدعاة لتكفيرهم، لنرى ذلك في النقاط التالية:
الأولى: أن التكفير لا بد فيه من التفصيل والبيان، فلا يكفي فيه الإجمال، وتكفير الحكام بأنهم طواغيت يحتاج إلى أوصاف زائدة وأدلة تدل على أنهم قد تحققت فيهم تلك الصفات؛ لأن التكفير حكم شرعي ليس بالأمر الهين حتى يكتفى منه بمجرد وصف أو بكلام لا دليل عليه.
الثانية: أن لفظة الطاغوت لفظة عامة، يندرج تحتها ما هو مكفر وما هو غير مكفر، فعند الوصف بها يجب أن تتحرر اللفظة مما يحوطها من الإجمال والعموم، لأن الحكم على معين بأنه طاغوت لا بد فيه من التخصيص والتفصيل، فالطواغيت كثيرة، وليسوا على مرتبة واحدة، فالأصنام طواغيت، وحكم الكهان طاغوت، والمعظم التعظيم المطلق من دون الله طاغوت؛ والشيطان طاغوت، فالطاغوت لفظة عامة يحوطها الإجمال، وقد فسر أهل العلم هذه اللفظة ببعض معانيها فقالوا: والطاغوت : اسم لكل ما عبد من دون الله ، فكل معبود من دون الله يُسمى طاغوتاً فالأصنام والأشجار والأحجار والكواكب المعبودة من دون الله كلها طواغيت ، وهكذا من عُبد وهو راضٍ كفرعون ونمرود والشياطين وأشباههم.
قال ابن الجوزي – رحمه الله – ( نزهة الأعين النواظر ص 410 ، باب الطاغوت ) : “وقال ابن قتيبة : كل معبود ؛ من حجر , أو صورة , أو شيطان : فهو جبت وطاغوت . وكذلك حكى الزجاج عن أهل اللغة ” انتهى .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ( فتاواه 16/565 ) :” وهو اسم جنس يدخل فيه : الشيطان , والوثن ، والكهان , والدرهم , والدينار , وغير ذلك ” انتهى .
وقال العلامة ابن القيم – رحمه الله – ( أعلام الموقعين 1/50 ) :” والطاغوت : كل ما تجاوز به العبد حده من معبود , أو متبوع , أو مطاع ” انتهى .
وقال الإمام ابن عثيمين تعليقاً على كلام ابن القيم – رحمهما الله – ( القول المفيد 1/30 ) :” ومراده : من كان راضياً . أو يقال : هو طاغوت باعتبار عابده , وتابعه , ومطيعه ؛ لأنه تجاوز به حده حيث نزّله فوق منزلته التي جعلها الله له , فتكون عبادته لهذا المعبود , واتباعه لمتبوعه , وطاعته لمطاعه : طغياناً ؛ لمجاوزته الحد بذلك ” انتهى .
ومن إطلاقات لفظة الطاغوت على ما هو غير مكفر مثل إطلاقه على رؤؤس المبتدعة الضلال أو العامل بغير علمه، كما قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في: ( الدرر 1/137 ) :” والطواغيت كثيرة , والمتبين لنا منهم خمسة : أولهم الشيطان , وحاكم الجور, وآكل الرشوة , ومن عُبدَ فرضِيَ , والعامل بغير علم ” انتهى .
وقال الإمام ابن عثيمين – رحمه الله – ( شرح الأصول الثلاثة ص 151 ) :” وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر , أو يدعون إلى البدع , أو إلى تحليل ما حرم الله , أو تحريم ما أحل الله : طواغيت ” انتهى .
فإذا علم هذا يتبين أن مجرد إطلاق لفظة الطاغوت على الحاكم لا يسلم لمطلقه دون تقييده أو تفصيله؛ وأن الدعوى بأن الحاكم طاغوت غير مسلمة على إطلاقها.
الثالثة: قد تقرر عند أهل السنة والجماعة بأنهم لا يكفرون أي مسلم سواء كان حاكماً أو غيره بمجرد المعصية ما لم تصل إلى حد الكفر، خلافاً لمعتقد الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الكبائر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في مجموع الفتاوى  (35 / 68) وَالْعَبْدُ إذَا اجْتَمَعَ لَهُ سَيِّئَاتٌ وَحَسَنَاتٌ فَإِنَّهُ وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَلَا يُحْبِطُ حَسَنَاتِ الْمُؤْمِنِ لِأَجْلِ مَا صَدَرَ مِنْهُ ؛ وَإِنَّمَا يَقُولُ بِحُبُوطِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا بِالْكَبِيرَةِ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا وَأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَا يَبْقَى مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ شَيْءٌ . وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ، مُخَالِفَةٌ لِلْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ .
ولا ريب بأن سجن العلماء أو تعذيبهم أو قتلهم لا يصل إلى درجة الكفر مالم يستحل فاعله لذلك الفعل المحرم.
وبذلك يتقرر بأن دعوى سجن العلماء أو تعذيبهم غير مسوغ لتكفير الحكام أو الخروج عليهم ومنازعتهم فضلا قتالهم وقتال المسلمين.
الرابعة: انعقد الإجماع بين أهل السنة والجماعة مستدلين بالكتاب والسنة على حرمة الخروج على ولاة أمور المسلمين وشق عصى الطاعة؛ ومفارقة جماعة المسلمين.
فقد بوب الحافظ أبو بكر الآجري رحمه الله في كتابه الشريعة بابا قال فيه: باب في السمع والطاعة لمن ولي أمر المسلمين ، والصبر عليهم وإن جاروا ، وترك الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة، ثم أورد النصوص الشرعية الصحيحة الدالة على ذلك.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الواسطية: وَلاَ نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلاةِ أُمُورِنَا، وَإِنْ جَارُوا، وَلاَ نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُم مِّنْ طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلاَحِ وَالْمُعَافَاةِ.
وقال رحمه الله أيضاً في مجموع الفتاوى (35 / 10) : وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَاجِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ وَإِنْ لَمْ يُعَاهِدْهُمْ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَهُمْ الْأَيْمَانَ الْمُؤَكَّدَةَ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَحَجُّ الْبَيْتِ . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ الطَّاعَةِ ؛ فَإِذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا وَتَثْبِيتًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ . فَالْحَالِفُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ خِلَافَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ ؛ فَإِنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ ؛ فَكَيْفَ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَمَا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِمْ وَغِشِّهِمْ مُحَرَّمٌ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى ذَلِكَ.
فإذا تبين هذا الأصل وهو بَيِّن ولله الحمد؛ عُلم أن ما يفعله هؤلاء الغلاة من الخروج على حكام المسلمين؛ واستحلال دماءهم ودماء المسلمين؛ ومخالفة جماعة المسلمين مخالف لأصول الشريعة؛ وأصول الديانة التي قامت على نصوص الكتاب والسنة؛ وخالفوا إجماع العلماء المعتبرين في مثل هذه القضايا؛ ووافقوا مذاهب أهل الضلال من الخوارج والمعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء.
الخامسة: أن العلماء قد أصلوا قاعدة مهمة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي: أن المنكر لا ينكر بمنكر أعظم منه، لأن من مقاصد الشريعة المتفق عليها أنها جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ فمتى ما أعقب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر مضرة أعظم من المضرة الحاصلة حرم على الآمر والناهي الإقدام على الأمر والنهي؛ وهو أيضاً من باب سد الذرائع التي عمل بها أهل العلم.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله- بعد أن عدد الأدلة على اعتبار سد الذرائع في الشريعة وأوصلها إلى تسعة وتسعين وجها؛ قال-: وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف فإنه أمر ونهى؛ والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود. والنهي نوعان: احدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلاماً نفيساً يدل على هذا؛ حيث قال في منهاج السنة النبوية – (3 / 391):
ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه و سلم؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة؛ فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما. ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته.
والله تعالى لم يأمر بقتال كل ظالم وكل باغ كيفما كان ولا أمر بقتال الباغين ابتداء بل قال: (  وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل..) فلم يأمر بقتال الباغية ابتداء فكيف يأمر بقتال ولاة الأمر ابتداء.
ففي كلام شيخ الإسلام من التقرير الموافق للشريعة ما يجب أن يعقله الغلاة في خروجهم على الولاة وتكفيرهم وما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة التي يدركها كل ذي لب وعقل.


رابط الموضوع : http://www.assakina.com/shobhat/shobhat1/4505.html#ixzz2vYaBgMpH

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق