الاثنين، 10 مارس 2014

شبهة أن العلماء الذين يخالفونهم عبيد للسلاطين

شبهة أن العلماء الذين يخالفونهم عبيد للسلاطين

يكرر الغلاة حينما يجابهون بأقوال العلماء المعاصرين الثقات بأن هؤلاء العلماء ما هم إلا علماء سلطان، وعبيد الدنيا، وأذناب الطواغيت، فلا يعتبر قولهم ولا يؤخذ بأدلتهم.
فهل قولهم هذا صحيح يجب المصير إليه وهل عليه دليل لرد أقوال العلماء، ففي النقاط التالية نبين فساد هذا القول:
الأولى: أن العلماء العاملين قد زكاهم الله عز وجل وأثنى عليهم بقوله تعالى: ( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) [الإسراء : 107] وقال تعالى: (…يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) [المجادلة : 11]، وقرنهم في الشهادة لنفسه بالتوحيد له فقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران : 18]، وعقد الإمام الحجة البخاري رحمه الله في صحيحه باباً سماه: بَاب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا الْعِلْمَ مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}وَقَالَ{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}وَقَالَ{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقهه في الدين. إلى آخر ما أورده الإمام في صحيحه في فضل العلماء.
وقال الإمام أحمد رحمه الله في وصف العلماء وفضلهم -و ما أحسن ما قال فيهم- (الحمدُ لله الذي جعل في كل زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم يَدْعُونَ من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذىٰ، يُحْيُونَ بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهلَ العَمَى، فكم من قتيل لإبليس قد أحْيَوْهُ، وكم من ضال تائه قد هَدَوْه، فما أحْسَنَ أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم! يَنْفُون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين.. ).
الثانية: أن الطعن في العلماء ووصفهم بالأوصاف القبيحة واغتيابهم من الذنوب الكبائر، التي يجب على المسلم الحذر من الوقوع فيها، وقد عظم الله أمر الغيبة في حق المسلم، وهي في العالم أعظم؛ إذ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) [الحجرات : 12] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره  (7 / 377) : يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا.
بل اعتبر علماء السنة أن الوقوع في العلماء من علامات أهل البدع، قال أبو زرعة رحمه الله: (( إذا رأيت الكوفي يطعن على سفيان الثوري وزائدة: فلا تشك أنّه رافضي، وإذا رأيت الشامي يطعن على مكحول والأوزاعي: فلا تشك أنّه ناصبي، وإذا رأيت الخراساني يطعن على عبد الله بن المبارك: فلا تشك أنّه مرجئ، واعلم أنّ هذه الطوائف كلها مجمعة على بغض أحمد بن حنبل؛ لأنّه ما من أحد إلا وفي قلبه منه سهم لا بُرْء له )) طبقات الحنابلة ( 1/199-200 ) .
وقال نعيم بن حمّاد: (( إذا رأيت العراقي يتكلم في أحمد بن حنبل فاتّهمه في دينه، وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير فاتّهمه في دينه، وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق بن راهويه فاتّهمه في دينه )) تاريخ بغداد (6/348)، وتاريخ دمشق (8/132) .
وقال أبو حاتم -أيضاً-: (( علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر )) السنة للالكائي (1/179).
وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: (( وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي — صلى الله عليه وسلم — واحتقارهم واستخفافهم بهم )) عقيدة السلف (101).
فمن سلك طريق الطعن في العلماء فليعلم أنه على غير السبيل الذي كان عليه السلف الصالح رحمهم الله.
وقد قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله قولته المشهورة : ” لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، ومن أطلق لسانه فيهم بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب “.
الثالثة: أن الله سبحانه قد أوجب إرجاع الأمور عند اختلافها إلى أولي الأمر وهم العلماء، فقال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء : 83] وقال تعالى آمرا بسؤال أهل العلم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل : 43]فكيف يصح أن يأمر الله عز وجل بسؤال أهل العلم والرجوع إليهم وقبول قولهم المقرون بالحجة والدليل، ثم تقوم هذه الفئة بالتنقص فيهم والثلب عليهم وازدرائهم.
الرابعة: أن زعمهم ذلك فيه اتهام للعلماء بلا دليل، وهو تخرص بلا حجة، والعلماء قاطبة من أهل السنة والجماعة وخاصة علماء بلاد الحرمين الشريفين يقرنون فتاويهم وأجوبتهم بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف، فإن كانت أقوالهم لا تقبل وفتاويهم لا تسمع فليذكروا الأدلة الشرعية الموجبة لذلك، ولينقضوا ما يفتون به بمثل تلك الأدلة التي يعتمد عليها العلماء.
وقد أبان الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله هذه الشبهة وردها بقوله في جواب لسؤال سئل عنه هذا نصه: سماحة الشيخ أنتم وإخوانكم العلماء في هذه البلاد سلفيون ـ ولله الحمد ـ وطريقتكم في مناصحة الولاة شرعية كما بَيَّنَها الرسول صلى الله عليه وسلم ـ ولا نزكي على الله أحداً ـ ويوجد من يعيب عليكم عدم الإنكار العلني لما يحصل من مخالفات والبعض الآخر يعتذر لكم فيقول : إن عليكم ضغوطاً من قبل الدولة فهل من كلمة توجيهية توضيحية لهؤلاء القوم ؟
فأجاب حفظه الله :
لا شك أن الولاة كغيرهم من البشر ليسوا معصومين من الخطأ ومناصحتهم واجبة ولكن تناولهم في المجالس وعلى المنابر يعتبر من الغيبة المحرمة وهو منكر أشد من المنكر الذي يحصل من الولاة ؛ لأنه غيبة ولما يلزم عليه من زرع الفتنة وتفريق الكلمة والتأثير على سير الدعوة. فالواجب إيصال النصيحة لهم بالطرق المأمونة لا بالتشهير والإشاعة .
وأما الوقيعة في علماء هذه البلاد وأنهم لا يناصحون أو أنهم مغلوبون على أمرهم فهذه طريقة يقصد بها الفصل بين العلماء وبين الشباب والمجتمع حتى يتسنى للمفسد زرع شروره؛ لأنه إذا أسيء الظن بالعلماء فقدت الثقة بهم وسنحت الفرصة للمغرضين في بث سمومهم. وأعتقد أن هذه الفكرة دسيسة دخيلة على هذه البلاد وأهلها من عناصر أجنبية فيجب على المسلمين الحذر منها.
فهذا بيان شاف وكاف فيما عليه علماء بلاد الحرمين الشريفين، وخاصة الكبار منهم، والذين أفنوا أعمارهم في العلم والتعليم، وقولهم في أنفسهم آكد من قول غيرهم فيهم، وكيف إذا عُلم غلو القائلين بقولهم.


رابط الموضوع : http://www.assakina.com/shobhat/shobhat2/4511.html#ixzz2vYYdWuR3

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق