من مقاصد الشريعة: حفظ النفس المعصومة
إن مقصد الشريعة من التشريع حفظ نظام العالم، وضبط تصرفات الناس على وجه يعصم من التفاسد والتهالك، وذلك إنما يكون بتحصيل المصالح واجتناب المفاسد على حسب ما يتحقق به معنى المصلحة والمفسدة. يقول العلَّال الفاسي موضحا هذا المعنى.”والمقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة ومن صلاح في العقل، وإصلاح في الأرض، واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع، وإنما يكون ذلك بتحقيق المصالح، واجتناب المفاسد على حسب ما يتحقق به معنى المصلحة والمفسدة.([1])
ولقد جاء الإسلام بالمحافظة على الضروريات الخمس وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب؛ لأنه لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، ولا يستقيم نظام إلا بوجودها وتحصيلها، فإذا اختلت آلت حالة الأمة في الدنيا إلى فسادٍ وتلاشٍ، وفي الآخرة فوات النجاة والنعيم.
ثم إن الشريعة الإسلامية عنيت بالنفس عناية فائقة، فشرعت من الأحكام ما يجلب المصالح لها، ويدفع المفاسد عنها، وذلك مبالغة في حفظها وصيانتها، ودرء الاعتداء عليها. والمقصود من الأنفس التي عنيت الشريعة بحفظها هي الأنفس المعصومة بالإسلام أو الجزية أو الأمان، أما نفس المحارب فليست مما عنيت الشريعة بحفظه.
فإيماناً مني بأن ما يجري في بلدي الغالي من قتل وتشريد، واستباحة بالدماء واستهانة بالنفس المعصومة حتى أصبحَ شعبه علَى أَنباء إطلاَق النّار يصحو، وعلى أخبار القتل والترويعِ يغفو، يفتقر كثيرا من هذه المعاني التي أرشدتنا شريعتنا الغراء، أردت أن أساهم في موضوع يعالج الجرح النـزيف، ويقدم الدواء للشعب الجريح تعريفاً بمن يجهل عظم هذا الموضوع، وتذكيراً بمن عرفها، وسأتحدث وسائل حفظ النفس بإذن الله تعالى في النقاط التالية:
أولاً: تحريم الاعتداء على النفس.
وردت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة تدل على تحريم الاعتداء عليها، من ذلك قوله تعالى:{ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيماً}. (النساء آية 93).
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: في أكبر اجتماع للناس عند موقف عرفة حيث قال: “إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا … الحديث”. ([2])
ويترتب على الاعتداء عليها الأمور التالية:
أ- أنه من كبائر الذنوب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم … الحديث.([3])
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الفسادُ إما في الدينِ وإمّا في الدنيا، فأعظم فسادِ الدنيا قتلُ النفوس بغير الحقّ؛ ولهذا كان أكبرَ الكبائر بعدَ أعظمِ فسادِ الدِّين الذي هو الكفر”. ([4])
ب- أنه سبب في الإحالة بينه وبين الجنة وإن كان ملء كف.
عن طريف أبي تميمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” … ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف من دم أهرقه فليفعل”.([5])
ج- استبعاد العفو عن القاتل لاستمراره في ضيق منكر القتل.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراماً”. ([6]) والفسحة في الدين: سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت؛ لأنها لا تفي بوزره”. ([7])
وفي رواية أخرى: ” لا يزال المؤمن مُعْنِقاً صالحاً ما لم يصب دما حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلَّح”.([8])
مُعْنِقاً: أي مسرعا في طاعته منبسطا في عمله. والتبليح: الإعياء، والمعنى: أن المؤمن لا يزال موفقا للخيرات مسارعا إليها ما لم يصب دماً حراما، فإذا أصاب ذلك أعيا وانقطع عنه ذلك لشؤم ما ارتكبه من الإثم.([9])
د- قاتل غير قاتله أعتى الناس ( من العتو وهو التكبر والتجبر).
عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن من أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية في الإسلام، أو بصر عينيه في النوم ما لم يبصر”.([10])
ومعنى من قتل غير قاتله: أي من كان له دم عند شخص فيقتل رجلاً آخر غير من عنده له الدم سواء كان له مشاركة في القتل أولا.([11])
هـ- إراقة الدماء من الإفلاس.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: ” إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار”.([12])
ثانيا: سد الذرائع المؤدية إلى قتل النفس.
فقد حرصت الشريعة على سد الذرائع المفضية إلى جلب المفاسد وتفويت المصالح فحرمت حمل السلاح عليهم، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: “من حمل علينا السلاح فليس منا”.([13]) ولما يلزم من فتن وقتل للمسلمين، وكل سبب أدى إلى قتل معصوم بغير حق فهو محرم؛ لما تقرر من أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه”.([14])
قال النووي رحمه الله: “فيه تأكيد حرمة المسلم والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه، وقوله صلى الله عليه و سلم: “وإن كان أخاه لأبيه وأمه” مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد سواء من يتهم فيه ومن لا يتهم وسواء كان هذا هزلاً ولعباً أم لا؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل حال”.([15])
- عن أبي موسى رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: “إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها بكفه؛ أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء”.([16]).
قال ابن بطال: “هذا من تأكيد حرمة المسلم لئلا يروع بها أو يؤذي؛ لأن المساجد مورودة بالخلق، ولا سيما في أوقات الصلوات، فخشي عليه السلام أن يؤذي بها أحد، وهذا من كريم خلقه، ورأفته بالمؤمنين. والمراد بهذا الحديث: التعظيم لقليل الدم وكثيره”.([17])، ومثلها الأسلحة الصغيرة المنتشرة في بلادنا والقابلة للانفجار في أية لحظة، والتي يحملها الناس اليوم في المساجد، والأسواق العامة.
ثالثا: القصاص.
فالقصاص سبب من أسباب حفظ الأرواح، والنفوس من التلف، وذلك أن الله أخبر في كتابه أن في القصاص حياة {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}. البقرة أية 179. وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أن القاتل إذا علم أنه إذا قَتَل قُتِل كف عن القتل وازدجر، فيَسْلم من أُريد قتله من القتل، والقاتلُ بعدم تعريض نفسه للقصاص، فيكون القصاص حياة لهما جميعا.
الثاني: أنه بالقصاص لا يقتل إلا القاتل فكأن في قتل القاتل بقاء لغيره، وكانوا في الجاهلية يقتلون القاتل وغيره، وربما قتلوا من هو خير من القاتل.([18])
رابعاً: استتابة المرتد عن دينه قبل قتله.
من الأمور الثلاثة التي يحل بها دم المرء: ارتداده عن الإسلام بعد الدخول فيه، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” من بدل دينه فاقتلوه”.([19])
فحفاظاً على الأرواح والأنفس فإن المرتد يستتاب قبل قتله، فإن تاب وإلا قتل وهو قول الجمهور. قال الحافظ: “واستدل ابن القصار لقول الجمهور بالإجماع يعني: (السكوتي)؛ لأن عمر كتب في أمر المرتد فعندما قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري، فسأله عن الناس، فأخبره. ثم قال له عمر: هل كان فيكم مغرِّبة خبر؟ فقال نعم: رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثاً وأطعمتوه كل يوم رغيفاُ واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله ؟ ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضر ولم آمر، ولم أرض، إذ بلغني.
ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فكأنهم فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم ” من بدل دينه فاقتلوه”. أي إن لم يرجع وقد قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم.}. التوبة أية : 5. ([20])
خامساً: ضمان جناية من تطبب و ليس عنده خبرة بالطب.
فحفاظاً على الأرواح والأنفس فإن المعالج إذا تعدى على المريض فتلف المريض كان ضامناً؛ بسبب ما تولد من فعله، لقوله صلى الله عليه وسلم: ” من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن”.([21])
قال الصنعاني: “أن المتطبب هو من ليس له خبرة بالعلاج، وليس له شيخ معروف، -والطبيب الحاذق هو من له شيخ معروف وثق من نفسه بجودة الصنعة وإحكام المعرفة- فيضمن؛ لأنه تولد من فعله الهلاك، وهو متعد فيه إذ لا يعرف ذلك فتكون جنايته مضمونة على عاقلته”.([22])
كل هذه المعاني التي ذكرناها إذا استشعرها المسلم واستحضرها كف عن القتل وامتنع منه، غير أنه لا يخلو مجتمع من أناس تستحكم فيهم الغفلة، فتغيب عنهم هذه المعاني فلا يتعقلون الأمور، لذا شرع الإسلام عقوبة دنيوية حاضرة، تزجر من سفك الدم الحرام، بغير حقه ألا وهي القصاص كما اشرنا آنفا، وبها يتحقق الأمن للمجتمع ويصون النفس من القتل ويحميها من التعدي كما هو مشاهد في بعض الدول الإسلامية.
فالواجب على الأخوة المتقاتلين في بلدنا الحبيب، والذين كانوا بالأمس القريب رفقاء الدرب، أن يتقوا الله عز وجل ويخافوه، ويتورعوا عن الولوغ في الدماء المحرمة، وأن يجعلوا الكتاب والسنة مرجعاً لدرء النزاع فيما بينهم، وأن يفوِّتوا على الأعداء الأهداف التي رسموها لتمزيق هذا البلد المنكوب.والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
******
المراجع
([1]) انظر: مقاصد الشريعة ومكارمها ص:(45).
([2]) أخرجه البخاري حديث رقم ( 1739). ومسلم حديث رقم (9).
([3]) أخرجه البخاري (7/162) ، ح:رقم ( 2766)، ومسلم 1/64، ح: رقم ( 272).
([4]) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ( 76).
([5]) جزء من حديث أخرجه البخاري ح: رقم:( 6994).
([6]) أخرجه البخاري في كتاب الديات (6/2524).
([7]) فتح الباري 19(/298).
([8]) أخرجه أبو داود في السنن، ح رقم: ( 4268.).
([9]) انظر: مرقاة المفاتيح (7/122).
([10]) أخرجه أحمد في المسند برقم:(6757).
([11]) أنظر: سبل السلام (3/ 388).
([12]) أخرجه مسلم، ح: رقم (6531).
([13]) أخرجه البخاري ح: رقم 7070، ومسلم ح: (رقم 161).
([14]) أخرجه مسلم 8/33، ح: 6832.
([15]) شرح النووي على مسلم – (16 / 170).
([16]) أخرجه البخاري، 17/565، ح: 7075.ومسلم-ن – (4 / 2019) ح: 2615.
([17]) شرح صحيح البخاري لابن بطال (2 / 102).
([18]) أنظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية ص: (220).
([19]) أخرجه البخاري ح: رقم: (2950.)
([20]) انظر: فتح الباري (12/269).
([21]) أخرجه النسائي (8/422) ، وأبو داود (12/331). وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم:(6153).
([22]) سبل السلام (3/1599).
—————————-
**دكتوراة في قسم أصول الفقه/ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
\n Awcabdi15@hotmail.com
رابط الموضوع : http://www.assakina.com/taseel/16041.html#ixzz2vdyvOk1L
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق