الاثنين، 10 مارس 2014

الفرق بين الولاء والبراء

الفرق بين الولاء والبراء

الحمد لله على إحسانه, والشكر له على توفيقه وامتنانه, وأصلي وأسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الداعي إلى رضوانه وعلى آله وصحبه؛ وبعد:الفرق بين الولاء
والبراء واضح غاية الوضوح لِمن عرف نصوص الكتاب والسنة وفهمها بفهم سلف الأمة.
 وأحبُّ أن أقسِّمَ الكلام على هذه المسألة حسب نقاط مهمة:
 أولاً: إنَّ المرجع عند التنازع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بفهم السلف الصالِح, قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَىٰ ﭐللّهِ وَﭐلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَﭐلْيَوْمِ ﭐلآخِرِ) (النساء:59). والردُّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته وإلى سنته بعد وفاته. وقال تعالى: (وَمَا ﭐخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَىٰ ﭐللَّهِ) (الشورى:10).
 ثانياً: أمرنا الله تعالى بسؤال أهل العلم والرجوع إليهم قال تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ ﭐلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (النحل:43), وقال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ﭐلأَمْنِ أَوِ ﭐلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَىٰ ﭐلرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي ﭐلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ﭐلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(النساء:83).
 ثالثاً: إنَّ مسألة الولاء والبراء من المسائل المهمة في الدين التي نطقت بِها نصوص الكتاب والسنة وإنَّما أخطأ من أخطأ وتَخبَّطَ من تَخبَّطَ في هذه المسألة من قِبَلِ فهمه السقيم وقلة بضاعته في العلم.
 رابعاً: إنَّ الولاء في الشرع هو الحب والنصرة, والبراء نقيض الولاء فهو البعد والبغض, قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحِمه الله تعالى: «والولاية ضد العداوة, وأصل الولاية المحبة والقرب, وأصل العداوة البغض والبعد»إ.هـ. (الفرقان ضمن مجموع الفتاوى 11/160).
 خامساً: الناس في الولاء والبراء ثلاثة أقسام:
 القسم الأول: من له الموالاة الخالصة من العداوة والبغضاء وهم المؤمنون الخُلَّصُ من الأنبياء والصدِّيقين والصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
 القسم الثاني: من يُتبَرَّأُ منهم براءً خالصاً من الموالاة الشرعية لَهم وهم الكفَّار بأنواعهم من مشرك ومنافق وزنديق ومُلحد ومرتد …….
 القسم الثالث: من له الموالاة من وجه دون وجه وهم أصحاب المعاصي غير المكفِّرة من أهل الإسلام فإنَّهم يُحبُون لإسلامهم ويبغضون لمعاصيهم؛ بغضاً ليس كبغض الكافر, فيحبون من وجه ويعادون من وجه.
 سادساً: عند أئمة التوحيد لفظان لَهما معنيان يلتبس أحدهما بالآخر عند كثيرين:
 الأول: التولي, والثاني: الموالاة.
 فالتولي مكفر؛ وهو الذي نزل فيه قول الله تعالى: (يَٰأَيُّهَا ﭐلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ﭐلْيَهُودَ وَﭐلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ﭐللَّهَ لاَ يَهْدِي ﭐلْقَوْمَ الظَّـٰلِمِينَ)(المائدة:51). وضابط التولي هو نصرة الكافر على المسلم وقت حرب المسلم والكافر قاصداً ظهور الكفار على المسلمين, فأصل التولي المحبة التامَّة أو النصرة للكافر على المسلم. فمن أحبَّ الكافر لدينه فهذا قد تولاه تولياً؛ وهذا كفر.
 أمَّا موالاة الكفَّار فهي مودَّتُهم ومَحبَّتهم لدنياهم وتقديِمهم ورفعهم وهي فسق ليست كفراً, قال تعالى: (يَٰأَيُّهَا ﭐلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ) إلى قوله تعالى: (وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ﭐلسَّبِيلِ) (الممتحنة:1).
 قال أهل العلم ناداهم باسم الإيِمان وقد دخل في النداء من ألقى المودة للكفَّار؛ فدلَّ على أنَّ فعله ليس كفراً بل ضلال عن سواء السبيل.
 وذلك أنَّه ألقى المودة وأسرَّ لَهم لأجل الدنيا لا شكّاً في الدين.
 وتارة تكون الموالاة جائزة؛ كالإحسان إلى الكافر غير الحربي كما قال تعالى:(لاَ يَنْهَاكُمُ ﭐللَّهُ عَنِ ﭐلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِي ﭐلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ ﭐللَّهَ يُحِبُّ ﭐلْمُقْسِطِينَ)(الممتحنة:8).
 وتارة تكون مستحبة كالإحسان إليه لاستئلافه ودعوته إلى الإسلام.
 وتارة تكون واجبة كالبر بالوالدين الكافرين أو أحدهما, قال تعالى: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ﭐلدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَاكُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(لقمان:15).
 وتارة تكون مكروهة كاستخدام الخادم الكافر مع وجود مسلم يغني عنه, ويدل لِهذا النوع من الموالاة الآية السابقة قوله تعالى: (لاَ يَنْهَاكُمُ ﭐللَّهُ عَنِ ﭐلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِي ﭐلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ) (الممتحنة:8) الآية.
 سابعاً: هل يَجوز أن يُحب المسلم الكافر لغير دينه واعتقاده؟.
 الجواب: نعم يَجوز ذلك وليس هذا من القسم الأول من الموالاة التي تُخرِجُ من الملة, والدليل على ذلك قوله تعالى: صلى الله عليه وسلم(ﭐلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ﭐلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ﭐلَّذِينَ أُوتُواْ ﭐلْكِتَٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَﭐلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ﭐلْمُؤْمِنَاتِ وَﭐلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ﭐلَّذِينَ أُوتُواْ ﭐلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ) (المائدة:5) الآية, ومَحل الاستدلال هو قوله تعالى:(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَــٰـبَ). ووجه الاستدلال أنَّ الله أباح للمسلمين التزوج بالكتابيات المحصنات. ومعلوم أنَّ عِشرة الرجل لزوجه لا تَخلو من نوع الحب والمودة التي تقع بين الرجل والمرأة.
 ثامناً: هل تقع نصرة الكافر من المسلم لغير نصرة دين الكافر واعتقاده.
 نعم قد يقع نصرة للكافر من المسلم لغير نصرة دين الكافر واعتقاده.
 والدليل على ذلك ما قصَّه الله لنا عن موسى عليه الصلاة والسلام حيث نصر الكافر الذي من شيعته على الكافر الذي من قوم فرعون مصر؛ قال تعالى:(وَدَخَلَ ﭐلْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ ﭐلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ﭐلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ ﭐلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) (القصص:15), وفي قصة حاطب نصرة للكفار لكن لَم تكن لدينهم واعتقادهم إنَّما لغرض دنيوي فلم تكن مكفرة.
 تاسعاً: البيع والشراء مع الكفَّار والإهداء إلى الكفَّار وقبول الهدية من الكفَّار هذا كله جائز وليس من الموالاة, بل هذا من المعاملات الدنيوية وتبادل المصالِح, مثل استئجار الكافر لعمل. فالنبي صلى الله عليه وسلم استأجر عبد الله بن أريقط الليثي ليدله على طريق للهجرة وهو كافر لأجل أن يستعين بِخبرته في الطريق. ويَجوز للمسلم أن يؤجر نفسه للقيام بعمل للكافر إذا احتاج لأنَّ هذا من تبادل المنافع وليس من باب تبادل المحبة والمودَّة.
 عاشراً: إذا عرضت دولة كافرة على المسلمين التعاون معها على منع أمر ومُحاربته مِمَّا يَمنعه ديننا الحنيف كمحاربة المخدِّرات أو مُحاربة الإرهاب ومُحاربة أهله ويدخل في ذلك الاغتيالات والتفجيرات والاختطافات وغير ذلك من الأمور التي متى وقعت أصابت النَّاس بالذُّعر والخوف الشديد بِحيث لا يَهنأ لَهم عيش ولا يستتبُّ لَهم أمن ولا يستقرُّ لَهم قرار. والإسلام يَحثُّ على الأمن ويَمدحه ويشيد به ويُحرِّم إخافة الآمنين وإشاعة الذعر بينهم ويعدها مُحاربة يستحقُّ فاعلها القتل والقتال.
 ولا يُعَدُّ هذا التعاون من المسلمين خروجاً عن الدين ولا موالاة للكفَّار ولا يترتَّبُ عليه تكفير لِمن فعله ولا تفسيق له, وإنَّما يترتَّبُ التكفير والتفسيق إذا اتفقنا مع الكفَّار على شيء يضرُّ بديننا أو بإخوتنا المسلمين مَحبة للكفر وإيثاراً له على الإسلام ورغبة فيه دون الإسلام, والدليل على ذلك قول الله تعالى: (يَٰأَيُّهَا ﭐلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ﭐسْتَحَبُّواْ ﭐلْكُفْرَ عَلَىٰ ﭐلإيِمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ﭐلظَّـٰلِمُونَ)(التوبة:23). فجعل سبحانه مَحبة الكفر شرطاً في تَحريِم الموالاة لَهم.
هذا وصلى الله على سيدنا مُحمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
15 / 2 / 1430هـ 


رابط الموضوع : http://www.assakina.com/shobhat/shobhat2/3350.html#ixzz2vYdi8PgH

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق