الاثنين، 9 سبتمبر 2019

إضاءةُ الجنانِ من أضواءِ البيانِ (في حجابِ الوجه)


إضاءةُ الجنانِ من أضواءِ البيانِ (في حجابِ الوجه)
إضاءة من مشكاة أضواء البيان في مسألة في استدلال الشيخ الشنقيطي على وجوب تغطية وجه المسلمة
الحمد التامُّ لله كما ينبغي له، والشكر الكامل له فهو الأهلُ له، والصلاة والسلام والبركة على سيد الأولين والآخرين نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
فإن مسألة حكم تغطية وجه المسلمة عن غير المحارم قد كثر فيها الكلام والترخّص حتى بين العامّة الذين تربّوا ونشأُوا على العمل به، فصارت المرأةُ تُنازع في وجوبه وتنقل أقوال المُجيزين، حتى إذا نالت مرادها بكشف الوجه ألحقت به حَسْرَ الشعر، ثم التخلص من شروط العباءة الساترة الحشيمة لأخرى مُحتاجة لعباءة، حتى انتهى حال بعضهن لكشف النحر والساق ولبس الضيق والشفّاف، فبدأت بالشبر وانتهت بالميل.. كلُّ ذلك لأن باب الهوى قد انفتح بكشف الوجه أَوّلًا، ولو أنّها تحجبت كالصحابيات الصالحات ما وصل بها الحال لهذا.
ومسألة ستر الوجه هي من المسائل التي ابتلى الله الحكيم تبارك وتعالى عباده بها فيتميزّ فيها من اجتهد في طلب الحق وأصابه أو لم يوُفّق إليه، علمًا أو عملًا، فثمَّ مسائل في الشريعة يكتنفها نوع اشتباه في بعض نواحيها من جهة الدليل أو الاستدلال ابتلاءً من الله تعالى لعباده أيخوضوا المشتبه ويتوسّعوا في التأويل ويتطلبّوا الترخّص بأدنى مسوّغ، أم يأخذون بالمحكمات ويردّون إليها المشتبهات ويعملون بالعزيمة حتى تنبلج شمس الرخصة.
والمشتبهات على درجات، فمنها ما يكون الاشتباه يسيرًا فتُردّ الفروع الغريبة المحتملة لأصولها الثابتة الواضحة كبعض مسائل الغناء والمعازف والإسبال ونحو ذلك، فترِدُ في المسألة أدلّة واضحة جليّة كثيرة في بيان حكمها، ثم يبتلي الله تعالى عباده بتقدير دليل محتمل فيصح حمله على الأدلة الأولى وهي المحكمات ويكون له وجه – لو كان لوحده – محتمل لحكم آخر مخالف، فالراسخون في العلم يردُّون ذلك الدليل المحتمل للحكم العام الذي جاءت به المحكمات، أما صاحب الهوى فيتعلّق بذلك لا طلبًا للحق ولكن رغَبًا في ضدّه وإعناقًا في خلافه. قال ربُّ العزة تبارك وتعالى في بيان ذلك: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب). 
ومنها مسائل يقوى فيها الاشتباه ويطول فيها البحث ولا يستقرّ فيها لطائفة دليلٌ حاسم مرجّح، فيكون المجتهد فيها بين الأجر والأجرين، والعافية في هذا المسائل تكون بالاستمساك بالأصول والمُحكَمَات والعمل بالاحتياط والبعد قدر الطاقة عن المشتبهات. فعن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك" رواه الترمذي وصححه. (1) وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ الحلال بيّنٌ، وإنّ الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام". متفق عليه.(2)
وإنّ من المسائل التي كثر فيها الكلام بأَخَرَةٍ مسألة كشف وجه المسلمة، وقد تسلّق منها بعض من يريدون للمسلمة أن تميل ميلًا عظيمًا، وقد أجلى العلماء الأمر بالوجوب وأوضحوا أدلّته وأبطلوا الإيرادات عليها، ومِنْ أَمْتَنِ من وقفت على كلامهم في هذه المسألة علّامة راسخ من مفاخر عصرنا العلمية ذاكم هو الفقيه  النحرير والمفسر الحبير الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي في سِفْرِه النفيس الماتع أضواء البيان، ولن أتقدّمه بمقدمة في أصل المسألة وأدلتها وترجيحها لأنها ستكون بمثابة التيمّم عند وجود الماء وانعدام العذر، وسأكتفي بذكر مهمّات كلام الشيخ في المسألة اختصارًا واقتصارًا على ما تمسّ إليه الحاجة، قال رحمنا الله وإياه في قول الله تعالى:
"{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}.
أمر الله جل وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدى إليه أيضا بالحرف الذي هو {مِنْ}، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، ومن أمثله تعدي الغض للمفعول بنفسه قول جرير:
فغض الطرف إنك من نميرٍ   ...  فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا
وقول عنترة:
وأغضُّ طرْفي ما بدت لي جارتي   ...  حتّى يواري جارتي مأواها
لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف.
ومن أمثلة تعدي الغض بـ{مِنْ} قوله تعالى: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} و{يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}، وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخرى تهديد من لم يمتثله ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} [غافر: 19].
وقد قال البخاري رحمه الله: "وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدرهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن، يقول الله عز وجل: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}، قال قتادة: عما لا يحل لهم، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}، خائنة الأعين النظر إلى ما نهي عنه".(3)
وبه تعلم أن قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحا في أحاديث كثيرة.
منها: ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس في الطرقات"، قالوا: يا رسول اللها ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر". (4)
ومنها: ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها.. الحديث".(5)
ومحل الشاهد منه: أنه صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدلّ ذلك على أن نظره إليها لا يجوز.
ومنها: ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: من أنّ نظر العين إلى ما لا يحلّ لها تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس، أنه قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللّمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه". (7) ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: "فزنى العين النظر"، فإطلاق اسم الزنى على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه، والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة.
ومعلوم أن النظر سبب الزنى، فإنّ مَن أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلا قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكنًا يكون سبب هلاكه، والعياذ بالله، فالنظر بريد الزنى. وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
كسبتُ لقلبي نظرةً لتسرَّهُ   ...      عيني فكانت شقوة ووبالًا
ما مرّ بي شيءٌ أشدّ من الهوى    ...   سبحان من خلق الهوى وتعالى
وقال آخر:
ألم تر أن العين للقلب رائدٌ   ...   فما تألف العينان فالقلب آلف
وقال آخر:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدًا    ...   لقلبك يوما أتعبتك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلّه أنت قادرٌ   ...   عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
وقال أبو الطيب المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرْفُهُ    ...   فمن المطالب والقتيل القاتلُ
وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "ذم الهوى" فصولًا جيدة نافعة، أوضح فيها الآفات التي يسببها النظر وحذر فيها منه، وذكر كثيرًا من أشعار الشعراء، والحكم النثرية في ذلك، وكله معلوم، والعلم عند الله تعالى.
وقال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}.
اعلم أولًا أن كلام العلماء في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أن الزينة هنا نفس شيء من بدن المرأة؛ كوجهها وكفيها.
الثاني: أن الزينة هي ما يتزين به خارجًا عن بدنها.
وعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان:
أحدهما: أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن؛ كالملاءة التي تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإزار.
والثاني:(7) أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن؛ كالكحل في العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تستلزم رؤية اليد، وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية محله من البدن؛ كما لا يخفى. (8)
وسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرآن رجحانه.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، وقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، "أي: لا يُظهرن شيئًا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلّل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخغي وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها؛ كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال، والقلادة. وفي رواية قال: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب.
 وقال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سمّى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس، فلا يبدو منها إلا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: الخاتم والخلخال.
 ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها: بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه: عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه. لكن قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها،(9) والله أعلم". أهـ كلام ابن كثير. (10)
وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: "واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا، وعطاء، والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس، وقتادة، والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا، فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آخر عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا"، وقبض على نصف الذراع. (11)
قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء، فهو المعفوّ عنه.
قلت: وهذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما، يدل لذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، ثم ذكر القرطبي حديث عائشة المذكور الذي قدمناه قريبًا، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوز أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها". أهـ (12)
وقال الزمخشري: "الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرًا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس به، وما خفي منها كالسوار، والخلخال، والدملج، والقلادة، والإكليل، والوشاح، والقرط، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن. فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حلّه، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها".. إلى آخر كلامه.
وقال صاحب الدر المنثور: "وعن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}، قال: الزينة السوار والدملج والخلخال، والقرط، والقلادة {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: الثياب والجلباب.
وأيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج. فأما الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة منها الثياب، وما يخفى: فالخلخالان والقرطان والسواران.
وعن أنس في قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: الكحل والخاتم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكحل والخاتم والقرط والقلادة.  وقال أيضًا: هو خضاب الكف، والخاتم. وقال أيضًا: وجهها، وكفاها والخاتم. وقال أيضًا: رقعة الوجه، وباطن الكف.
وعن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة؟ فقالت: القلب والفتخ، وضمت طرف كمّها.
وعن عكرمة قال: الوجه وثغرة النحر.
وعن سعيد بن جبير قال: الوجه والكف.
وعن عطاء قال: الكفان والوجه.
وعن قتادة قال: المسكتان والخاتم والكحل.
وعن المسور بن مخرمة قال: القلبين، يعني السوار والخاتم والكحل". (13)
وقد رأيت في هذه النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال؛ كما ذكرنا.
الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجًا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها؛ كقول ابن مسعود، من وافقه: إنها ظاهر الثياب؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار، كما ترى.
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة: ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضًا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل، ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن، كما لا يخفى.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها؛ كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان، وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.
وإذا عرفت هذا، فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها: أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدّمنا أيضًا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع؛ لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.
وإذا عرفت ذلك، فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان للذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية، التي نحن بصددها.
أما الأول منهما، فبيانه: أن قول من قال في معنى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلًا، توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل.
 فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور، فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادًا به الزينة الخارجة عن أصل المزيّن بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزيّن بها؛ كقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]، وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} [الكهف: 7]، وقوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} [القصص: 60]، وقوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات:6]، وقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]، وقوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص: 79]، وقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، وقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ} [الحديد: 20]، وقوله تعالى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]، وقوله تعالى عن قوم موسى: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} [طه: 87]، وقوله تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزيّن به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، كما ترى. وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب؛ كقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى    ...   وإذا عطلن فهن خير عواطلِ
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين، فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة؛ كالكحل والخطاب، ونحو ذلك.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود رضي الله عنه: أن الزينة الظاهرة هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء.
 ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها؛ كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم، هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.
وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}.
قد قدّمنا أن من أنواع البيان: أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة تدلّ على عدم صحة ذلك القول، ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية "الحجاب"، أعني قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، خاصة بأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّ تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم لا حاجة إلى أطهريّة قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهنّ، وقد تقرّر في الأصول: أن العلّة قد تعمّم معلولها، وإليه أشار في "مراقي السعود" ، بقوله:
وقد تخصّص وقد تعمّم    ...   لأصلها لكنها لا تخرم
وبما ذكرنا، تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أصل اللفظ خاصًّا بهن؛ لأن عموم علّته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلّة الذي دلّ على أن قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، هو علَّة قوله تعالى: {فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته، هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علَّة لذلك الحكم؛ لكان الكلام معيبًا عند العارفين، وعرف صاحب "مراقي السعود" دلالة الإيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء والتنبيه، بقوله:
دلالة الإيماء والتنبيه   ...    في الفن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن   ...   لغير علّة يعبه من فطن
وعرّف أيضًا الإيماء والتنبيه في مسالك العلَّة، بقوله:
والثالث الإيماء اقتران الوصف    ...  بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير   ...   قرانه لغيرها يضير
فقوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، لو لم يكن علّة لقوله تعالى: {فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف.
وإذا علمت أن قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، هو علّة قوله: {فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، وعلمت أن حكم العلّة عام؛ فاعلم أن العلّة قد تعمّم معلولها، وقد تخصّصه كما ذكرنا في بيت "مراقي السعود"، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علّته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًّا، بدلالة القرينة القرآنيّة، فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء.
واعلم أنَّا في هذا المبحث نريد أن نذكر الأدلَّة القرآنيَّة على وجوب الحجاب على العموم، ثم الأدلّة من السنّة، ثم نناقش أدلَّة الطرفين، ونذكر الجواب عن أدلّة من قالوا بعدم وجوب الحجاب، على غير أزواجه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا آنفًا أن قوله: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ}، قرينة على عموم حكم آية الحجاب.
أدلة القرآن الكريم:
من الأدلّة القرآنيّة على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها، وممن قال به: ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم.
فإن قيل: لفظ الآية الكريمة، وهو قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسّرين: إنه يستلزمه معارض بقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه.
فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، يدخل في معناه ستر وجوههنّ بإدناء جلابيبهنّ عليها، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ}، ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن، لا نزاع فيه بين المسلمين. فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب، كما ترى.
ومن الأدلّة على ذلك أيضًا: هو ما قدمنا في سورة النور، في الكلام على قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، من أن استقراء القرءان يدلّ على أن معنى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصحّ تفسير: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالوجه والكفين، كما تقدّم إيضاحه.
واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنيّة على أن قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ}، قال: وقد دلّ قوله: {أَنْ يُعْرَفْنَ} على أنهنّ سافرات كاشفات عن وجوههن؛ لأن التي تستر وجهها لا تعرف باطل، وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعًا باتًّا؛ لأن قوله: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، صريح في منع ذلك.
وإيضاحه: أن الإشارة في قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْن} راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه، كما لا يخفى.
وقوله في الآية الكريمة: {لِأَزْوَاجِكَ} دليل أيضًا على أن المعرفة المذكورة في الآية، ليست بكشف الوجوه؛ لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين.
والحاصل: أن القول المذكور تدلّ على بطلانه أدلّة متعدّدة:
 الأول: سياق الآية، كما أوضحناه آنفًا.
الثاني: قوله: {لِأَزْوَاجِكَ}، كما أوضحناه أيضًا.
الثالث: أن عامّة المفسّرين من الصحابة فمن بعدهم فسّروا الآية مع بيانهم سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفسّاق يتعرّضون للإماء، ولا يتعرّضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زيّ ليس متميّزًا عن زي الإماء، فيتعرّض لهن أولئك الفساق بالأذى ظنًّا منهم أنهن إماء، فأمر اللَّه نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميّزن في زيهن عن زي الإماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك ورآهن الفساق، علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر لا إماء هو معنى قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ}، فهي معرفة بالصفة لا بالشخص.
وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن، كما ترى. فقوله:{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي: يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرّضون للإماء، وهذا هو الذي فسّر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح، وليس المراد منه أنّ تعرُّضَ الفساق للإماء جائز بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} في قوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ}، إلى قوله: {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}.
ومما يدلّ على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض، قوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى:
حافظٌ للفرج راضٍ بالتُّقى    ...   ليس ممن قلبه فيه مرض
وفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهنّ الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإماء لازم، وله أسباب أُخر ليس منها إدناء الجلابيب.
تنبيه:
قد قدّمنا في سورة "بني إسرائيل"، في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن؛ كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
الْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر، وزمن ونسبة.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعًا، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه.
فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن فيه، قوله تعالى هنا: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ}، ثم قال: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ}، أي: ذلك الإدناء المفهوم من قوله: {يُدْنِينَ}.
ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ}، فقوله: {ذَلِكَ} يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: {وَنُفِخَ} أي: ذلك الزمن يوم الوعيد.
ومن الأدلّة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرّر في الأصول، من أن خطاب الواحد يعمّ حكمه جميع الأُمّة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب، وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة "الحجّ"، في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك؛ لأن خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لواحد من أُمّته يعمّ حكمه جميع الأُمة، لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالَّة على عموم الحكم؟ خلاف في حالٍ لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعمّ؛ لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم. ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس.
أمّا القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي. والنص كقوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمئة امرأة". (14)
قالوا: ومن أدلّة ذلك حديث: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". قلت: والحديث ثابت من حديث أُميمة بنت رقيقة، وأشار إلى ذلك في "مراقي السعود" بقوله:
خِطَابٌ وَاحِدٌ لِغَيْرِ الْحَنْبَلِ ... مِنْ غَيْرِ رَعْيِ النَّصِّ وَالْقَيْسِ الْجَلِي
وبهذه القاعدة الأصولية تعلم أن حكم آية الحجاب عام، وإن كان لفظها خاصًّا بأزواجه صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمئة امرأة.
ومن الأدلّة القرآنيّة الدالَّة على الحجاب، قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْن خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}؛ لأن اللَّه جلَّ وعلا بيَّن في هذه الآية الكريمة أن القواعد أي العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، أي: لا يطعمن في النكاح لكبر السن وعدم حاجة الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهنّ، بشرط كونهن غير متبّرجات بزينة، ثمّ إنه جلَّ وعلا مع هذا كله قال: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}، أي: يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي: واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهنّ وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرّجات بزينة خير لهن.
وأظهر الأقوال في قوله: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}، أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب، التي تكون فوق الخمار والثياب.
فقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}، دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح، لا يرخّص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستّر بحضرة الأجانب.
وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دلَّ على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه صلى الله عليه وسلم، فلا شكّ أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامّة وعدم التدنّس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرّج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهنّ في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمّن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأُمّة محمّد صلى الله عليه وسلم مريض القلب؛ كما ترى.
أدلّة السنة:
واعلم أنه مع دلالة القرآن على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، قد دلّت على ذلك أيضًا أحاديث نبوية، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي اللَّه عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إيّاكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول اللَّه أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت". (15)
فهذا الحديث الصحيح صرّح فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول عليهنّ وسؤالهن متاعًا إلا من وراء حجاب؛ لأن من سألها متاعًا لا من وراء حجاب فقد دخل عليها، والنبيّ صلى الله عليه وسلم حذَّره من الدخول عليها، ولما سأله الأنصاري عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمًا لزوجته، كأخيه وابن أخيه وعمّه وابن عمّه ونحو ذلك، قال له صلى الله عليه وسلم: "الحمو الموت" فسمّى صلى الله عليه وسلم دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير؛ لأن الموت هو أفظع حادث يأتي على الإنسان في الدنيا، كما قال الشاعر:
والموت أعظم حادث مما يمرّ على الجِبِلّة
والجبلة: الخلق، ومنه قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ}، فتحذيره صلى الله عليه وسلم هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: {فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} عام في جميع النساء، كما ترى. إذ لو كان حكمه خاصًّا بأزواجه صلى الله عليه وسلم لما حذر الرجال هذا التحذير البالغ العامّ من الدخول على النساء، وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهنّ ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرّم تحريمًا شديدًا بانفراده، كما قدّمنا أن مسلمًا رحمه اللَّه أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فدلّ على أن كليهما حرام. وقال ابن حجر في "فتح الباري"، في شرح الحديث المذكور: "إياكم والدخولَ"، "بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرّز عنه؛ كما قيل: إياك والأسد، وقوله: "إياكم"، مفعول لفعل مضمر تقديره: اتّقوا. وتقدير الكلام: اتّقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية ابن وهب، بلفظ: "لا تدخلوا على النساء"، وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى" أهـ. (16)
 وقال البخاري رحمه اللَّه في "صحيحه": "باب: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}. عن عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: يرحم اللَّه نساء المهاجرات الأول، لما أنزل اللَّه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، شققن مروطهن فاختمرن بها.
وعن صفيّة بنت شيبة أن عائشة رضي اللَّه عنها، كانت تقول: لما نزلت هذه الآية {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها" أهـ. وقال ابن حجر في "الفتح"، في شرح هذا الحديث: "قولها: فاختمرن، أي غطّين وجوههن، وصفة ذلك: أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنّع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار". أهـ. (17)
 والحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيّات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها امتثالاً لأمر اللَّه في قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، المقتضي ستر وجوههن، وبهذا يتحقّق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنّة الصحيحة المفسّرة لكتاب اللَّه تعالى، وقد أثنت عائشة رضي اللَّه عنها على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر اللَّه في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، إلا من النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جلَّ وعلا يقول: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن.
 وقال ابن حجر في "فتح الباري": "ولابن أبي حاتم من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن لنساء قريش لفضلًا، ولكن واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب اللَّه، ولا إيمانًا بالتنزيل، ولقد أنزلت سورة "النور": {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهنّ امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان". (18)
 ومعنى معتجرات: مختمرات، كما جاء موضحًا في رواية البخاري المذكورة آنفًا، فترى عائشة رضي اللَّه عنها مع علمها وفهمها وتقاها، أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرّحت بأنها ما رأت أشدّ منهن تصديقًا بكتاب اللَّه، ولا إيمانًا بالتنزيل، وهو دليل واضح على أن فهمهنّ لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، من تصديقهن بكتاب اللَّه وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب اللَّه وإيمان بتنزيله، كما ترى.
فالعجب كل العجب، ممن يدّعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنّة ما يدلّ على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر اللَّه في كتابه إيمانًا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، كما تقدم عن البخاري. وهذا من أعظم الأدلّة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين، كما ترى.
وعن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربّها وهي في قعر بيتها".  (19) وقد ذكر هذا الحديث صاحب "مجمع الزوائد"، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله موثقون، وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلّة، وما جاء فيه من كون المرأة عورة، يدلّ على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة.
ومما يؤيّد ذلك: ما ذكر الهيثمي أيضًا في "مجمع الزوائد"، عن ابن مسعود قال:" إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرّين بأحد إلا أعجبتيه، وإن المرأة لتلبس ثيابها فقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها، مثل أن تعبده في بيتها، ثم قال: رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله ثقات" (20). ومثله له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي فيه.
ومن الأدلّة الدالَّة على ذلك الأحاديث التي قدّمناها، الدالَّة على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المساجد، كما أوضحناه في سورة "النور" في الكلام على قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ}، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدًا، وفيما ذكرنا كفاية لمن يريد الحقُّ.
فقد ذكرنا الآيات القرآنيّة الدالَّة على ذلك، والأحاديث الصحيحة الدالَّة على الحجاب، وبيَّنا أن من أصرحها في ذلك آية "النور" مع تفسير الصحابة لها، وهي قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، فقد أوضحنا غير بعيد تفسير الصحابة لها، والنبيّ صلى الله عليه وسلم موجود بينهم ينزل عليه الوحي، بأن المراد بها يدخل فيه ستر الوجه وتغطيته عن الرجال، وأن ستر المرأة وجهها عمل بالقرآن، كما قالته عائشة رضي اللَّه عنها.
مناقشة أدلّة المجيزين:
وإذا علمت أن هذا القدر من الأدلّة على عموم الحجاب يكفي المنصف، فسنذكر لك أجوبة أهل العلم، عمّا استدلّ به الذين قالوا بجواز إبداء المرأة وجهها ويديها، بحضرة الأجانب.
فمن الأحاديث التي استدلّوا بها على ذلك حديث خالد بن دريك عن عائشة رضي اللَّه عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا"، وأشار إلى وجهه وكفّيه؛ وهذا الحديث يجاب عنه بأنه ضعيف من جهتين:
الأولى: هي كونه مرسلًا؛ لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما قاله أبو داود، وأبو حاتم الرازي كما قدّمناه في سورة "النور".
الجهة الثانية: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، قال فيه في "التقريب": ضعيف.
 مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلّة على عموم الحجاب، ومع أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب.
ومن الأحاديث التي استدلّوا بها على ذلك حديث جابر الثابت في الصحيح،(21) قال: شهدت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان، ولا إقامة، ثم قام متوكّئًا على بلال فأمر بتقوى اللَّه، وحثّ على طاعته، ووعظ الناس، وذكّرهم ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكّرهن، فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم"، فقامت امرأة من سِطَةِ النساء سفعاءُ الخَدّين، فقالت: لِمَ يا رسول اللَّه؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير" ، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطهن وخواتمهن". قالوا: وقول جابر في هذا الحديث: سفعاء الخدّين يدلّ على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خدّيها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين.
 وأجيب عن حديث جابر هذا: بأنه ليس فيه ما يدلّ على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عن وجهها، وأقرّها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابرًا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال، كما قال نابغة ذبيان:
سقط النصيفُ ولم ترد إسقاطه   ...   فتناولته واتّقتنا باليدِ
فعلى المحتجّ بحديث جابر المذكور، أن يثبت أنه صلى الله عليه وسلم رآها سافرة، وأقرّها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك. وقد روى القصة المذكورة غير جابر، فلم يذكر كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم في "صحيحه" ممن رواها غير جابر أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وذكره غيره عن غيرهم. ولم يقل أحد ممن روى القصة غير جابر أنه رأى خدي تلك المرأة السفعاء الخدّين، وبذلك تعلم أنه لا دليل على السفور في حديث جابر المذكور. وقد قال النووي في شرح حديث جابر هذا عند مسلم، وقوله: "فقامت امرأة من سطة النساء"، هكذا هو في النسخ سطة بكسر السين، وفتح الطاء المخفّفة. وفي بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي: معناه: من خيارهن، والوسط العدل والخيار، قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغيّر في كتاب مسلم، وأن صوابه من سفلة النساء، (22) وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، والنسائي في سننه. في رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من علية النساء، وهذا ضد التفسير الأول ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدّين هذا كلام القاضي، وهذا الذي ادّعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء؛ كما فسّره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: "يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسطة، أي: توسطتهم"، أهـ منه.
وهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث جابر ثناء البتّة على سفعاء الخدّين المذكورة، ويحتمل أن جابرًا ذكر سفعة خدّيها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها؛ لأن سفعة الخدّين قبح في النساء. قال النووي: سفعاء الخدين، أي: فيها تغيّر وسواد. وقال الجوهري في "صحاحه": والسفعة في الوجه: سواد في خدّي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة سفعاء لما في عنقها من السفعة، قال حميد بن ثور:
مِنَ الْوُرْقِ سَفْعَاءُ الْعِلَاطَيْنِ بَاكَرَتْ ... فُرُوعَ أَشَاءٍ مَطْلَعَ الشَّمْسِ أَسْحَمَا
قال مقيّده -عفا اللَّه عنه وغفر له- : السفعة في الخدّين من المعاني المشهورة في كلام العرب: أنها سواد وتغيّر في الوجه، من مرض أو مصيبة أو سفر شديد، ومن ذلك قول متمم بن نويرة التميمي يبكي أخاه مالكًا:
تَقُولُ ابْنَةُ الْعُمَرِيِّ مَا لَكَ بَعْدَمَا ... أَرَاكَ خَضِيبًا نَاعِمَ الْبَالِ أَرْوَعَا
فَقُلْتُ لَهَا طُولُ الْأَسَى إِذْ سَأَلْتِنِي ... وَلَوْعَةُ وَجْدٍ تَتْرُكُ الْخَدَّ أَسْفَعَا
ومعلوم أن من السفعة ما هو طبيعي كما في الصقور، فقد يكون في خدي الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
أَهْوَى لَهَا أَسْفَعُ الْخَدَّيْنِ مُطَّرِقُ ... رِيشَ الْقَوَادِمِ لَمْ تُنْصَبْ لَهُ الشَّبَكُ
والمقصود: أن السفعة في الخدّين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها، لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا.
ومن الأحاديث التي استدلّوا بها على ذلك، حديث ابن عباس الذي قدّمناه، قال: أردف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس رضي اللَّه عنهما، يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبيّ صلى الله عليه وسلم يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها فالتفت النبيّ صلى الله عليه وسلم، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول اللَّه إن فريضة اللَّه في الحجّ على عباده، أدركت أبي شيخًا كبيرًا... الحديث. (23) قالوا: فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها.
وأجيب عن ذلك أيضًا من وجهين:
الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه، وأقرّها على ذلك بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه صلى الله عليه وسلم أقرّها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين. ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها، ومما يوضح هذا أن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما الذي روي عنه هذا الحديث لم يكن حاضرًا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، واطّلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدًا لاحتمال أن يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها.
فإن قيل: قوله: إنها وضيئة، وترتيبه على ذلك بالفاء، قوله: فطفق الفضل ينظر إليها، وقوله: وأعجبه حسنها، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإعجابه بحسنه.
فالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزامًا لا ينفكّ أنها كانت كاشفة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كذلك، وأقرّها لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة، وذلك لحسن قدّها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط، كما هو معلوم. ولذلك فسّر ابن مسعود: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، بالملاءة فوق الثياب، كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب، قول الشاعر:
طَافَتْ أُمَامَةُ بِالرُّكْبَانِ آوِنَةً ... يَا حُسْنَهَا مِنْ قَوَامٍ مَا وَمُنْتَقِبَا
فقد بالغ في حسن قوامها، مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفًا.
الوجه الثاني: أن المرأة محرمة وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليه، وعليها ستره من الرجال في الإحرام، كما هو معروف عن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهن، ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس رضي اللَّه عنهما، والفضل منعه النبيّ صلى الله عليه وسلم من النظر إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها (24) إذًا لإحرامها لا لجواز السفور.
فإن قيل: كونها مع الحجاج مظنّة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة؛ لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال.
فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم الورع وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكي كما حكي نظر الفضل إليها، ويفهم من صرف النبيّ صلى الله عليه وسلم بصر الفضل عنها، أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة، وهي سافرة كما ترى، وقد دلَّت الأدلَّة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم.
وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة البشرية وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول:
قُلْتُ اسْمَحُوا لِي أَنْ أَفُوزَ بِنَظْرَةٍ ... وَدَعُوا الْقِيَامَةَ بَعْدَ ذَاكَ تَقُومُ
أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال:
وَمَا عَجَبٌ أَنَّ النِّسَاءَ تَرَجَّلَتْ ... وَلَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجَالِ عُجَابُ
مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة أعني آية الحجاب هذه:
اعلم: أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه. ولا يجوز له أن يمسّ شيء من بدنه شيئًا من بدنها.
والدليل على ذلك أمور:
الأول: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنّه قال: "إني لا أصافح النساء"، الحديث. (25) واللَّه يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، فيلزمنا ألاّ نصافح النساء اقتداء به صلى الله عليه وسلم.
وكونه صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا يصافح المرأة، ولا يمسّ شيء من بدنه شيئًا من بدنها؛ لأن أخفّ أنواع اللّمس المصافحة، فإذا امتنع منها صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة، دلَّ ذلك على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المشرع لأُمّته بأقواله وأفعاله وتقريره.
الأمر الثاني: هو ما قدمنا من أن المرأة كلها عورة يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغضّ البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شكّ أن مسّ البدن للبدن، أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيًا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم صحّة ذلك.
الأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلى التلذّذ بالأجنبية، لقلّة تقوى اللَّه في هذا الزمان وضياع الأمانة، وعدم التورّع عن الريبة، فالحق الذي لا شكّ فيه التباعد عن جميع الفتن والريب وأسبابها، ومن أكبرها لمس الرجل شيئًا من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدّها؛ كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود":
سَدُّ الذَّرَائِعِ إِلَى الْمُحَرَّمِ ... حَتْمٌ كَفَتْحِهَا إِلَى الْمُنْحَتِمِ
تنبيه:
قد ذكرنا في كلام أهل العلم في الزينة أسماء كثير من أنواع من الزينة، ولعل بعض الناظرين في هذا الكتاب، لا يعرف معنى تلك الأنواع من الزينة، فأردنا أن نبينها هاهنا تكميلا للفائدة:
أما الكحل والخضاب فمعروفان، وأشهر أنواع خضاب النساء الحناء، والقرط ما يعلق في شحمة الأذن، ويجمع على قرطة كقردة، وقراط، وقروط، وأقراط، ومنه قول الشاعر:
أَكَلْتُ دَمًا إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ ... بَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
والخاتم معروف، وهو حلية الأصابع. والفتخ: جمع فتخة بفتحات وهي حلقة من فضة لا فص فيها، فإذا كان فيها فص، فهو الخاتم. وقيل: قد يكون للفتخة فص، وعليه فهي نوع من الخواتم، والفتخة تلبسها النساء في أصابع أيديهن، وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها، ومن ذلك قول الراجزة، وهي الدهناء بنت مسحل زوجة العجاج:
وَاللَّهِ لَا تَخْدَعُنِي بِضَمِّ ... وَلَا بِتَقْبِيلٍ وَلَا بِشَمِّ
إِلَّا بِزِعْزَاعٍ يُسَلِّي هَمِّي ... تَسْقُطُ مِنْهُ فَتَخِي فِي كُمِّي
والخلخال، ويقال له:
الخلخل حلية معروفة تلبسها النساء في أرجلهن كالسوار في المعصم، والمخلخل: موضع الخلخال من الساق، ومنه قول امرئ القيس:
إِذَا قُلْتُ هَاتِي نَوَّلِينِي تَمَايَلَتْ ... عَلَيَّ هَضِيمَ الْكَشْحِ رَيَّا الْمُخَلْخَلِ
والدملج: ويقال له الدملوج: هو المعضد، وهو ما شد في عضد المرأة من الخرز وغيره، والعضد من المرفق إلى المنكب، ومنه قول الشاعر:
مَا مَرْكَبٌ وَرُكُوبُ الْخَيْلِ يُعْجِبُنِي ... كَمَرْكَبٍ بَيْنَ دُمْلُوجٍ وَخَلْخَالِ
والسوار: حلية من الذهب، أو الفضة مستديرة كالحلقة تلبسها المرأة في معصمها، وهو ما بين مفصل اليد والمرفق، وهو القُلْبُ بضم القاف.
وقال بعض أهل اللغة: إن القلب هو السوار المفتول من طاق واحد؛ لا من طاقين أو أكثر، ومنه قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام رضي الله عنه:
تَجُولُ خَلَاخِيلُ النِّسَاءِ وَلَا أَرَى ... لِرَمْلَةَ خَلْخَالًا يَجُولُ وَلَا قُلْبًا
أُحِبُّ بَنِي الْعَوَّامِّ مِنْ أَجْلِ حُبِّهَا ... وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبًا
والمسكة بفتحات: السوار من عاج أو ذبل، والعاج سن الفيل، والذبل بالفتح شيء كالعاج، وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، ومنه قول جرير يصف امرأة:
تَرَى الْعَبَسَ الْحَوْلِيَّ جَوْنًا بِكُوعِهَا ... لَهَا مَسَكًا فِي غَيْرِ عَاجٍ وَلَا ذَبَلْ
قاله الجوهري في "صحاحه"، والمَسَك بفتحتين: جمع مَسَكة.
وقال بعض أهل اللغة: المسك أسورة من عاج أو قرون أو ذبل، ومقتضى كلامهم أنها لا تكون من الذهب، ولا الفضة، وقد قدمنا في سورة "التوبة"، في الكلام على قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ}، في مبحث زكاة الحلي المباح من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أبي داود النسائي: أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، الحديث. (26) وهو دليل على أن المسكة تكون من الذهب، كما تكون من العاج، والقرون، والذبل. وهذا هو الأظهر خلافا لكلام كثير من اللغويين في قولهم: إن المسك لا يكون من الذهب، والفضة، والقلادة معروفة، والله تعالى أعلم". (27)
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
9/ 1/ 1441
................................................................
1.     الترمذي ( 2518 ) والنسائي 8/327 وصححه الألباني في صحيح الجامع (1 / 569) (3377)
2.     البخاري 1/20 ( 52 )، ومسلم 5/50 ( 1599 ) ( 107 )
3.     البخاري (8 / 0) باب قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون }.
4.     البخاري 8/63 ( 6229 ) ، ومسلم 6/165 ( 2121 ) ( 114 )
5.     البخاري (6228) ومسلم (1334)
6.     البخاري 12/289 ( 6243) ومسلم (8/456، 457)
7.     وهو الثالث من الأقوال.
8.     قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين: فقال ابن مسعود ومن وافقه: هي الثياب. وقال ابن عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم. وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية.
فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد.
وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد؛ فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها. وهو قول مالك.
 وحقيقة الأمر: أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة. وجوّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم. وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجل وجهها ويديها. وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره. ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش فأرخى الستر ومنع أنسًا أن ينظر. ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها. فلما أمر الله ألا يُسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب: هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها. وقد حكى أبو عبيد وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها. ومن جنسه النقاب، فكنَّ النساء ينتقبن.
 وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين، فإذا كنّ مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن، وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب؛ كان الوجه واليدان من الزينة التي أُمِرت ألا تُظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة. فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين". مجموع الفتاوى (22 / 111)
9.     سنن أبي داود برقم (4104). وقال أبو داود: خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها. قال العلائي في جامع التحصيل ص 170: خالد بن دريك البناني روى عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما ولم يدركهما، قال شيخنا المزي وحكي عن أبي داود أنه قال: لم يدرك عائشة. أهـ.
وقال الزيلعي في نصب الراية 1/299، قال ابن القطان: ومع هذا فخالد مجهول الحال، قال المنذري وفيه أيضًا سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري نزيل دمشق مولى بني نضر تكلم فيه غير واحد، وقال ابن عدي في الكامل هذا حديث لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال فيه مرة عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة.
فالحديث لا يثبت ولا ينهض للاستدلال به.
10.                        تفسير ابن كثير (6 / 45)
11.                        الطبري في تفسيره (19/ 157) وقال الألباني في جلباب المرأة: "منكر، لضعفه من جهة إسناده، ومخالفته لما هو أقوى منه".
12.                        الجامع لأحكام القرآن (12 / 228)
13.                        الدر المنثور (11 / 22) باختصار.
14.                        أحمد (6/ 357)، والترمذي 4/ 151- 152، (1597)، وصححه، والنسائي (4181)
15.                        البخاري 7/48 (5232) ، ومسلم 7/7 (2172) (20)
16.                        فتح الباري (9 / 331)
17.                        فتح الباري (8 / 490)
18.                        فتح الباري (8 / 490)
19.                        الترمذي (1173) وحسنه. وصححه السيوطي في الجامع (9174) والمنذري في الترغيب (1/180)
20.                        الطبراني في المعجم الكبير (8914) (9/185)
21.                        البخاري (2/22) ومسلم (3/18)
22.                        وقد ورد هذا اللفظ في مسند أحمد من حديث جابر (14420) "فقالت امرأة من سفلة النساء، سفعاء الخدين". قال الأرناؤوط: "إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه النسائي في "المجتبى" 3/186، وفي "الكبرى" (1784)، وابن خزيمة (1460)، والدارقطني 2/46-47 من طريق يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد.
وقوله: "من سفلة النساء" بفتح السين وكسر الفاء، وبعض العرب يخفف، فيقول: من سفلة، فينقل كسرة الفاء إلى السين، أي: من النازلات رتبة، لا من عليتهن وخيارهن حسبا ونسبا، ووقع في رواية مسلم وابن خزيمة: "من سطة النساء"، ولضبط هذا الحرف والكلام عليه انظر "مشارق الأنوار" 2/214، و"شرح النووي" 6/175.
وقوله: "سفعاء الخدين"، قال ابن الأثير في "النهاية" 2/374: السفعة: نوع من السواد ليس بالكثير، وقيل: هو سواد مع لون آخر". مختصرًا.
23.                        البخاري (6228)
24.                        أي على فرض أنها كانت كاشفة لوجها.
25.                        أحمد (6/ 357)، والترمذي (1597)، وصححه، والنسائي (4181)
26.                        أحمد (2/178) (6667) وأبو داود (1563) والترمذي (637) والنسائي (5/38)
27.                        أضواء البيان (6/ 127-140) (6/ 383-396) مختصرًا.