الأحد، 26 مارس 2023

تعريف الغلو ونشأته

 

تعريف الغلو ونشأته

 

الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن معلا اللويحق

تعريف الغلو:

الغلو في اللغة: تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد يدل على مجاوزة الحد والقدر.

قال ابن فارس: (الغين واللام والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ في الأمر، يدلُّ على ارتفاع ومجاوَزةِ قَدْر.

يقال: غَلاَ السِّعر يغلو غَلاءً، وذلك ارتفاعُه. وغَلاَ الرَّجلُ في الأمر غُلُوّاً، إذا جاوَزَ حدَّه. وغَلاَ بسَهْمِه غَلْوَاً، إذا رَمَى به سَهْماً أقصى غايتِه).[1]

يقال غلا غلاءً فهو غال، وغلا في الأمر غلواً أي جاوز حده، وغلت القدر تغلي غلياناً، وغلوت بالسهم غلواً إذا رميت به أبعد مما تقدر عليه، فالغلو: هو مجاوزة الحد، يقال غلا في الدين غلواً تشدد، وتصلب؛ حتى جاوز الحد.

 

الغلو اصطلاحاً: اجتهد العلماء في وضع تعريف للغلو بعبارة موجزة، وهذه بعض تلك التعريفات:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(الغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد في الشيء، في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك) [2]وبنحو هذا التعريف عرَّفه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله -.

 

وعرفه الحافظ ابن حجر -رحمه الله - بأنه:( المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد) [3].

 

وهذه التعاريف متقاربة وتفيد أن الغلو هو: تجاوز الحد الشرعي بالزيادة،و( الحدود هي: النهايات لما يجوز من المباح المأمور به، وغير المأمور به) [4].

 

ويزيد الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله الأمر وضوحاً فيحدد ضابط الغلو فيقول:( وضابطه تعدى ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله ﴿ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه: 81[5].

 

وإذا أردنا في ضوء هذه الملامح العامة أن نتتبع مظاهر الغلو على مرّ التأريخ لم نقف على حصر، لأن مظاهر الانحراف لا تحصر، وإنما الحق هو الذي تعلم معالمه، فكما أن التفريط لا حد لصوره، فكذلك الإفراط.

 

ولكن المعيار في تحديد المظهر من مظاهر الغلو إنما هو إلى الشريعة فإن الغلو تجاوز لحدودها فما لم تعلم تلك الحدود؛ فإن المعيار سيكون مختلاً.

 

إن مشكلة الغلو في الدين متعلقة بالشرع والدين، فالمرجع فيها هو الشرع، وفي الحكم على عمل من الأعمال أو قول أو اعتقاد بأنه مظهر من مظاهر الغلو لا بد من دراسة الأمر، والنظر في النصوص مع النظر في الواقع؛ للخروج بأن هذا المظهر من مظاهر الغلو.

 

وإن من مقتضيات جعل المرجع كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يُصَدَّر العلماء بشرع الله ليتولوا معالجة هذه المشكلة، ويضعوا منهج المعالجة فإن ذلك من أظهر مهام أهل العلم، وإذا لم نرد الأمر إلى العلماء بالشرع، صرنا إلى غرائب في تحديد مظاهر الغلو.

 

ضوابط إطلاق وصف الغلو:

إن المتتبع لألفاظ الشارع يجد أن الأوصاف التي يوصف بها المنحرف عن شرع الله – عز وجل – أياً كانت درجة الانحراف لا تطلق إطلاقاً عاماً، بل يختلف الأمر بحسب اختلاف درجة الانحراف، فإن كان كبيراً ساغ وصف صاحبه بالغلو وصفاً مطلقاً، وإلا لم يصح وصفه به إلا مقيداً بعمل، مثله في ذلك مثل أوصاف الشرك والكفر والفسوق والظلم.

 

فالشرك مثلاً شركان: أحدهما ينقل عن الملة وهو الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة وهو الأصغر، ولا يصح إطلاق هذا الوصف إلا على المشرك شركاً أكبر.

 

ولفظ الغلو ينطبق عليه هذا، فلا يصح إطلاق وصف الغلو، فيقال فلان غالٍ، أو الجماعة الفلانية غالية إلا إذا كان غلوه أو غلوها في أمر أصلي من الدين سواء في أصول الاعتقاد أم في أصول العمل.

 

قال الإمام الشاطبي – رحمه الله – في بيان من تسمى فرقة خارجة عن أهل السنة والجماعة(إن هذه الفرقة إنما تصير فرقاً، بخلافها الفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات )[6].

 

تنبيه:

الغلو الذي يكفر به صاحبه، والغلو الذي لا يكفر به صاحبه:

الغلو الذي يكفر به صاحبه: هو ما كان عائداً بالإبطال على أمر مجمع عليه متواتر من الشرع معلوم من الدين بالضرورة؛ أو ما كان عائداً بالإثبات لأمر علم من الشرع إبطاله بالضرورة.

 

الغلو الذي لا يكفر به صاحبه: هو تجاوز حدود الله عز وجل بالزيادة عليها زيادة تقتضي الوقوع فيما حرم الله من المعاصي، مما لم يلزم منه تكذيب بكتاب الله عز وجل و لا بشيء مما أرسل به رسوله. و أثر هذا التفريق يتضح حين التعامل مع الغلاة، فيعاقب الغالي غلوا مكفراً بما لا يعاقب به الغالي غلواً غير مكفر. كما يتضح أيضا في خطورة إطلاق القول بتكفير كل أهل الغلو.

 

التحذير من الغلو بعامة:

لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي عن الغلو بعامة وبين بيان عاقبة الغلو، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع" هلم القط لي الحصى " فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال" نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين "[7].

 

والنهي هنا وإن كان خاصاً، فهو نهي عام لكل غلو، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنه أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم، أي: هدي من كان قبلنا؛ إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك )[8].

 

التحذير من الغلو بنوعيه:

إن الغلو ليس نوعاً واحداً، بل يتنوع باختلاف متعلقه من أفعال العباد، فهو على نوعين:

الأولغلو كلي اعتقادي.

الثانيغلو جزئي عملي[9].

 

الأول: الغلو الكلي الاعتقادي: وهو: المتعلق بكليات الشريعة، وأمات مسائلها، والمراد بالاعتقادي ما كان متعلقاً بباب العقائد، فهو محصور في الجانب العقدي الذي يكون منتجاً للعمل بالجوارح، وأمثلة هذا النوع كثيرة منها: الغلو في الأئمة وادعاء العصمة لهم، أو الغلو في البراءة من المجتمعات العاصية، وتكفير أفارده واعتزالهم.

 

ويدخل في الغلو الكلي الاعتقادي، الغلو في فروع كثيرة؛ إذ المعارضة الحاصلة به للشرع مماثلة لتلك المعارضة الحاصلة بالغلو في أمر كلي[10].

 

وهذا الغلو الكلي الاعتقاديُّ أشدُّ خطراً من الغلو الجزئي العملي؛ لأنه يتجاوز حدود خاصة عمل الإنسان ليكون هو المحدد لمواقفه من الخلق، ومنه يحدث الافتراق.

(ذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي من الجزئيات؛ إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية )[11].

♦♦♦♦

 

نشأة الغلو:

وقعت بذرة الغلو الكلي الاعتقادي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان وقوعه نتاج عوج نفسية الغالي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن غلا غلواً اعتقادياً في زمنه فطعن في مقام النبوة" إنَّ مِنْ ضِئْضِىءِ هَذَا قَوْما يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإسْلاَم، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ" [12].

 

الثاني: الغلو الجزئي العمليوهو ما كان متعلقاً بجزئية، أو أكثر من جزئيات الشريعة العملية، سواء أكان قولاً باللسان أم عملاً بالجوارح وذلك مثل: قيام الليل كله.

 

وقد وقع هذا النوع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقام بعلاجها، ففي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يسألون عن عبادته ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وقد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال" إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني!"[13].

 

فاستنكر صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، وجعله خروجاً عن سنته وهديه.

 

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال" ما هذا الحبل؟" قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه و سلم:" لا. حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد "[14] وفي هذا الحديث كما قال الحافظ ابن حجر( الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق فيها والأمر بالإقبال عليها بنشاط)[15].

 

وعن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" مره فليتكلم وليستظل، وليقعد، وليتم صومه "[16].

 

قال ابن حجر:( وفيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان، ولو مآلاً مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة، كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر)[17].

 

وعن عائشة-رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال:" من هذه؟ " قالت: فلانة تذكر من صلاتها قال" مه عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا " وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه[18].

 

قال ابن حجر:( قوله: " عليكم بما تطيقون " أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضى النهي عن تكلف ما لا يطاق)[19].

 

وهذا الغلو العملي تتكرر صوره في كل زمان على يدي أفراد من النّاس على مرّ التأريخ، وقد يتحول إلى رأي تتبناه جماعة أو فئة تلزم أفرادها بألوان من الغلو في التعبدات.

 

وأما الغلو الكلي الاعتقادي: وهو: المتعلق بكليات الشريعة وأمات مسائلها، وهذا الغلو أشدُّ خطراً من الغلو الجزئي العملي؛ لأنه يتجاوز حدود خاصة عمل الإنسان ليكون هو المحدد لمواقفه من الخلق، ومنه يحدث الافتراق.

 

وقد وقعت بذرة الغلو الكلي الاعتقادي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان وقوعه نتاج عوج نفسية الغالي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن غلا غلواً اعتقادياً في زمنه فطعن في مقام النبوة" إنَّ مِنْ ضِئْضِىءِ هَذَا قَوْما يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإسْلاَم، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ" [20].

 

وقد نمت تلك البذرة الخبيثة؛ لتثمر شراً وفتناً فظهرت فرق الغلو وعلى رأسها الخوارج، ولم ينقطع حبل الغلاة إلى عصرنا الحديث الذي أضحت فيه مشكلة الغلو من أهم المشكلات في العصر الحديث، وصارت همّاً يؤرق أعداء الإسلام والمسلمين، كما هي همّ يؤرق أهل الإسلام.

♦♦♦♦

 

وبالتأمل في النصوص الناهية عن الغلو، والنصوص التي فيها معالجة لبعض قضاياه، والنصوص التي فيها بيان قيام الدين على اليسر ورفع الحرج تتضح ملامح الغلو فيما يلي:

1 - أن يكون الغلو متعلقاً بفقه النصوص، وذلك بأحد أمرين:

أ - تفسير النصوص تفسيراً متشدداً، يتعارض مع السمة العامة للشريعة، ومقاصدها الأساسية، فيشدد على نفسه وعلى الآخرين.

 

ب - تكلف التعمق في معاني التنزيل مالم يكلف به المسلم (ومن طماح النفوس إلى ما تكلف به نشأت الفرق كلها أو أكثرها)[21].

 

2 - أن يكون الغلو متعلقاً بالأحكام، وذلك بأحد أمرين:

أ - إلزام النفس أو الآخرين بما لم يوجبه الله - عز وجل - تعبداً وترهباً، وهذا معياره الذي يحدده الطاقة الذاتية، حيث إن تجاوز الطاقة وإن كان بممارسة شيء مشروع الأصل يعتبر غلواً،والقضية في هذا تختلف باختلاف الناس و (الفرق بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة، أو التي تعد مشقة هو: أنه إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه، أو وقوع خلل في صاحبه في نفسه، أو ماله، أو حال من أحواله، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة )[22].

 

ب - تحريم الطيبات التي أباحها الله - عز وجل - على وجه التعبد، فهذا من الغلو، كما يتضح ذلك في بعض روايات حديث النفر الثلاثة حيث حرَّم بعضهم على نفسه أكل اللحم.

 

ج – ترك الضروريات أو بعضها، وذلك كالأكل والشرب، والنوم والنكاح، فتركها يعتبر غلواً، ويتضح ذلك ـ أيضاً ـ في قصة النفر الثلاثة.

 

3 - أن يكون الغلو متعلقاً بالموقف من الآخرين، وذلك بأحد أمرين:

أ - أن يقف الإنسان من البعض موقف المادح الغالي الذي يوصل ممدوحه سواء أكان فرداً أم جماعة إلى درجة العصمة فيجعله مصدر الحق، وإنما مصدر الحق: كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

ب - أن يقف الإنسان من بعض الناس أفرادٍ أو جماعات موقف الذام الغالي، فيصم المسلم بالكفر والمروق من الدين، أو يصم المجتمع المسلم بأنه مجتمع جاهلي.

 

وفي كل مظهر من مظاهر الغلو وأعماله تجد ملمحاً من هذه الملامح، كما أن الحوادث، وأعيان وقائع الغلو تظهر أن وراء ما حدث جانب من جوانب الغلو.

 

بل إن الحوادث، وأعيان وقائع الغلو لا تكون إلا وقد سبق فكر ورأي وغلو نظري، فالذين قاموا بالتفجيرات مثلاً: كفَّروا قبل أن يفجروا.

♦♦♦♦

 

وهنا يحسن أن أنبه على بعض الملاحظ:

أ - إنّ الغلو في حقيقته حركة في اتجاه القاعدة الشرعية والأوامر الإلهية، ولكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدّها الشارع ينظر كمال أبو المجد: التطرف غير الجريمة: (36 ـ 37).فهو مبالغة في الالتزام بالدين، وليس خروجاً عنه في الأصل، بل هو نابع من الرغبة في الالتزام به.

 

ب- إنّ الغلو ليس دائما فعل بل يدخل فيه الترك أيضاً، فترك الحلال وتحريمه ضرب من ضروب الغلو، هذا إذا كان على سبيل التدين، والالتزام بالدين.

 

ج - إن نسبة الغلو إلى الدين بقول (الغلو الديني) أو (التطرف الديني) تجوز في العبارة إذ الغلو إنما هو في أسلوب التدين لا الدين نفسه[23] ولذلك جاء التعبير القرآني بقول ﴿ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ [النساء: 171] وقال صلى الله عليه وسلم" إياكم والغلو في الدين "[24].

 

د إنَّ الحكم على العمل بأنه غلو يجب أن يُتأنى فيه، ويُنظر إلى العمل بدقة، فقد يحكم عليه بأنَّه غلو مع أنه سليم ولكن الوسيلة إليه قد تكون من باب الغلو فيقع الخلط من هذا الباب.

 

هـ - إنه ليس من الغلو طلب الأكمل في العبادة ولكن من الغلو الإثقال على النفس إلى درجة الملل قال بعض العلماء(وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة،بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل)[25].

 

زكما أنه قد اتضح في ضوء بيان حقيقة الغلو في الشرع، أنَّه ليس من العدل أن نصف إنساناً بالغلو لأنه التزم رأياً فقهياً متشدداً - من وجهة النظر المخالفة - إذا كان التزامه بناءً على أحد أمرين:

 اجتهاد سائغ شرعاً لمن بلغ درجة الاجتهاد.

 تقليد لعالم شرعٍ موثوق في دينه وعلمه لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد.

 

وتوفر أحد هذين الشرطين دليل على صحة الالتزام، وخلوه من اتباع الهوى ذلك أن متبعي الحق يفعلون ما يؤمرون به من حسن القصد، والاجتهاد لمن قدر عليه، أو التقليد لمن لم يقدر على الاجتهاد،، ثم الأخذ في العمل بما قام الاعتقاد على صحته وبعكس ذلك أهل الأهواء، فإنهم ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ﴾ [النجم: 23] ويجزمون بما يقولون بالظن والهوى جزماً لا يقبل النقيض مع عدم العلم، فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده، ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده، ويجتهدون اجتهاداً غير مأذون فيه، وهم بذلك مسيئون متعرضون لعذاب الله، مع العلم أنه قد يقترن بالهوى شبهة فيصبح حقيقياً بوصف الإساءة أيضاً[26].

 

والأخذ بالرأي الأشد من الآراء المختلفة لا يعد دليلاً على الغلو، إذ قد يكون الرأي الأشد هو الصواب ولكن الغلو واقع من جهة أخرى، وذلك بأن يأخذ الإنسان برأي ثم يصم المخالفين بالمروق من الدين أو بالإعراض عن كتاب الله أو يجعل رأي مُقَلَّده بمنزلة رأي المعصوم وينتصر له بغير هدى من الله، فيدخل في الغلو، وبهذا يكون الغلو في الوسائل إلى إيصال القناعات، وليست القناعة نفسها من باب الغلو وهذا الأمر كان معنى حاضراً في أذهان السلف بدءاً من الصحابة فمن بعدهم فقد كان عبد الله بن عمر متشدداً في فقهه ولم يكن يوسم بالغلو.

 

وكثير من المعاصرين وقعوا بسبب غياب هذا عنهم في خلط عجيب في حقيقة الغلو.

 


[1] معجم مقاييس اللغة: ( مادة غلوى ).

[2] اقتضاء الصراط المستقيم: (1/ 289 ).

[3] فتح الباري: (13/ 278).

[4] ابن تيمية: الفتاوى: (3/ 362 ).

[5] تيسير العزيز الحميد: (256 ).

[6] الاعتصام: (2/ 200).

[7] رواه أحمد:(1/ 215، 347)

[8] نقلاً عن سليمان بن عبدالله: تيسير العزيز الحميد:(275)

[9] انظر: ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم:(1/ 289).

[10] انظر: الشاطبي: الاعتصام:(2/ 201).

[11] الشاطبي: الاعتصام:(2/ 200)

[12] رواه البخاري (8/ 52) ومسلم: (1/ 740) برقم: (1063)

[13] رواه البخاري: (6/ 116) ومسلم (2/ 1020) رقم (1401 )

[14] رواه البخاري: ومسلم

[15] فتح الباري:(3/ 37).

[16] رواه البخاري

[17] فتح الباري:(11/ 590).

[18] رواه البخاري ومسلم

[19] فتح الباري:(1/ 102).

[20] رواه البخاري (8/ 52) كتاب استتابة المرتدين: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، ومسلم: (1/ 740) برقم: (1063) كتاب الزكاة: باب ذكر الخوارج وصفاتهم.

[21] الشاطبي: الموافقات: (2/ 89 ).

[22] المصدر نفسه (2/ 123 )

[23] ينظر محمد سعيد العشماوي: التطرف في الدين وأبعاده، مجلة المنار عدد: 36: (81 ).

[24] سبق تخريجه: (ص 6 )

[25] ابن المنير، نقلاً عن ابن حجر: فتح الباري: (1 / 94 ).

[26] ينظر ابن تيمية: الفتاوى: (29 / 43 ).

 



رابط الموضوعhttps://www.alukah.net/personal_pages/0/100417/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%84%D9%88-%D9%88%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%AA%D9%87-%D9%88%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%AD%D9%87/#ixzz7x67XH3NK