الثلاثاء، 11 مارس 2014

عموم البلوى والتيسير على الناس

عموم البلوى والتيسير على الناس

إن كثيرا من تيسيرات الشريعة الإسلامية منوطة بعموم البلوى سواء بإشارة واضحة أم غير واضحة والإشكال القائم عند كثير من المختصين: ما المسائل التي يمكن توصيفها بأنها مما عمت بها البلوى ويمكن أن نقرر أن أي حادثة أو واقعة ذات شمول في وقوعها ويصعب على غالب الناس احترازها أو الاستغناء عنها إلا بمشقة؟
وذكر العلماء أسبابا عامة لتطبيق قاعدة عموم البلوى في تخفيف الأحكام على الناس، أهمها:
1. صعوبة التخلص من الشيء، ويعبر عنه الفقهاء ما لا يمكن الاحتراز منه أو ما يشق الانفكاك منه، ومثّل الفقهاء لذلك التماس المسلم بطين الشوارع، حيث يصعب التخلص منها والاحتراز لها في الملابس أثناء الذهاب للمسجد، وقد يتضمن في الغالب النجاسة مع ذلك تصح الصلاة ويعفى عن النجاسة، وكذلك الخطأ في الاجتهاد فقد يشق على المجتهد في أي عمل عدم الخطأ؛ ولذلك عفي عن إثم الخطأ في الاجتهاد، ومن المهم في هذا السبب أن تكون الصعوبة لعموم الناس في الحالة العادية وليست لحالة معينة.
2. تكرار الشيء، من الأسباب التي يمكن فيها تطبيق قاعدة عموم البلوى تكرار الأمر على الشخص في حياته اليومية بحيث يتصف هذا التكرار بالمشقة؛ ولذلك جاء في السنة النبوية قوله: ”لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء”، فقد امتنع – صلى الله عليه وسلم – عن إيجاب ذلك الفعل لوجود المشقة لوجود تكرار للفعل عند كل وضوء، ومثل المسح على الخفين فتكرار نزع الخف أو الشراب خفف الحكم من الغسل إلى المسح، وهذا هو لب قاعدة التيسير لعموم البلوى، ولكن يشترط في هذا السبب أن يكون التكرار يعتبر كثير، ويعتمد في ذلك على العرف إذا لم يكن هناك نص شرعي أو نظامي يحدد الشيء الكثير والقليل.
3. انتشار الشيء بحيث يصعب على الناس البعد عنه لانتشاره وتفاقم الحاجة إليه، ويمثل له الفقهاء قديما اختلاط الناس بالهرة ولو قيل بنجاسة ما تلامسه الهرة لشق ذلك على الناس، ويمثل لذلك في الفقه والقانون التجاري استخدام التجار للدفاتر في إثبات حقوقهم، فلو لم تعتبر تلك الدفاتر حجة في إثبات الديون لشق ذلك على التجار مشقة عظيمة؛ إذ سيؤدي ذلك إلى ضياع حقوقهم فتعتبر الدفاتر إذاً حجة في إثبات الديون وفقا لتلك المشقة، وقد يكون انتشار هذا الأمر لجميع الناس أو لفئة معينة أو لأهل بلد معين، وكل بقدر حسب الظروف.
4. كثرة الشيء وامتداد زمانه، بحيث يصعب على الشخص التعامل معه في مثل الظروف الاعتيادية فيأخذ حكما من باب التخفيف مثل الأشخاص الذين يعانون سلس البول، فهؤلاء يستمر منهم الحدث ولا يمكنهم الاستمرار على طهارتهم؛ ولذلك يكتفي بوضوئه قبل الصلاة ويعفى عن سقوط شيء منه أثناء الصلاة.
وغالبا يحكم هذه الأمور العرف وقد يقل من حيث النواحي التطبيقية تطبيق هذا السبب ويغلب انحصاره في العبادات مثل المسح على الجبيرة لما كان يمتد زمانها قاسها العلماء على مسح الخف لوجود المشقة وعمومية البلوى لأصحاب الجبائر.
5. تفاهة الشيء وقلته، ومعنى ذلك أن تكون بعض الأشياء التافهة قد تلاحق بعض الحالات مثل قطرات الدم في ثوب المصلي ومثل الغرر والجهالة اليسيرة في البيوع والمعاوضات في أحكام المعاملات والتي يصعب الانفكاك منها وتعظم حاجة الناس لها فهذه تم التخفيف في حكمها من أجل عموم البلوى بها.
إن قاعدة عموم البلوى بضوابطها تضيف بعدا آخر في التخفيف على الناس والنظرة إلى أحوالهم برحمة الشريعة الإسلامية حتى وإن كانت ظواهر النصوص قد توحي بشيء آخر، ولكن عند وجود المسوغ الواضح فلا ينبغي حمل الناس على المعاني الشرعية التي لا تتناسب مع أحوالهم وظروفهم، بل وينبغي عدم التردد في هذا الأمر؛ فالخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أسقط حد السرقة عام الرمادة وكان عام جوع؛ ولذلك لعموم البلوى لمسوغات السرقة، وفي العصر الحديث أفتى الإمام ابن باز – رحمه الله – وبعض الفقهاء المعاصرين بجواز أخذ القرض الربوي لشراء المسكن لمن صعب عليه أخذ تمويل غير ربوي لانعدامه في بلده ولاضطراره إلى شراء المسكن هو وأسرته، وكذلك أفتى فقهاء الحنابلة وغيرهم قديما والعالم الفقيه عبد المحسن العبيكان – حفظه الله – بجواز حل السحر عن المسحور بمثله في حالة الضرورة عند انعدام كافة الوسائل للعلاج. ولكل قضية ظروفها.
ولو نظرنا لبعض المسائل الفقهية المعاصرة التي تبدلت ظروفها لوجدنا هناك مساحة مناسبة لتطبيق قاعدة عموم البلوى لمن كان له نظر اجتهادي شمولي.
أسأل الله لي وللجميع حياة علمية وعملية موفقة، وأن يجعل لنا من أمرنا رشدا.


رابط الموضوع : http://www.assakina.com/taseel/11393.html#ixzz2veBF3dTO

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق