السبت، 31 مايو 2014

الغلو أسبابه وأبعاده. الشيخ سعد البريك

الغلو أسبابه وأبعاده

10-06-1432 12:07

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه وبعد :
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال :" هذا سبيل الله مستقيماً "، قال: ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال :" هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه "، ثم قرأ { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} . رواه النسائي برقم 11174) ، والإمام أحمد برقم 4437) واللفظ له ، والحاكم في المستدرك برقم 2938).
فقد ذكر تعالى الصراط مفرداً للدلالة على أن طريق الحق واحد لا يتعدد، وجمع السبل للتنبيه على أن طرق الضلال متشعبة وكثيرة .
وقال تعالى في سورة البقرة { يخرجهم من الظلمات إلى النور} ، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: المراد بالظلمات : الضلالة ، وبالنور الهدى ، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة لجمعه الظلمات، وأن طريق الحق واحدة لإفراده النور. (أضواء البيان 1/158) .
وكما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم ، ودين الإسلام وسط بين الأديان لقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}، فإن أهل السنة والجماعة هم وسط بين الفرق الضالة والمناهج المبتدعة ، وهم الفرقة الناجية . عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله من هم قال الجماعة". رواه ابن ماجة برقم 3992) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 1083).
فأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق كلها ، يتمسكون بروح الإسلام، ويتمثلون وسطية الشريعة دون إفراط أو تفريط ، ودون غلو أو تساهل ، يرشدون إلى الحق من تنكب الصراط ، ويأخذون بيد من انحرف عن جادة الصواب .
وكما هو معلوم ، فإن صور الانحراف عن الوسطية متعددة ، لكنها ترجع في الغالب الأعم إلى سببين : إما تساهل وتفريط ، وإما غلو وإفراط . وبما أن الغلو هو أخطرها وأكثرها ضرراً على الوسطية فإني سوف أتناول في هذه المحاضرة : أسباب الغلو ، وأبعاده على المستوى العقدي والمستوى الدعوي والمستوى الأمني والمستوى الاجتماعي .

*_ معنى الغلو لغة واصطلاحاً :
ـ الغلو لغة : مجاوزة الحد .
ـ أما اصطلاحاً فقد تعددت تعريفات أهل العلم له ، نذكر منها :
1 ـ قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الغلو مجاوزة الحد، بأن يزاد في الشيء، في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك. ( اقتضاء الصراط المستقيم 1/328) .
2 ـ وقالت اللجنة الدائمة في فتوى لها : (والغلو هو: التعمق في الشيء والتكلف فيه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو فقال: " إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح ) . ( فتاوى اللجنة الدائمة الفتوى رقم 8946 ) .
*_ مظاهر الغلو :
للغلو مظاهر متعددة منها ما هو في الاعتقاد ، ومنها ما هو في والعمل ومنها ما هو في الحكم على الناس، وللشيخ الدكتور عبد السلام بن برجس العبد الكريم كلام نفيس في مظاهر الغلو ـــ سأكتفي بنقل قوله فيما يتعلق بالغلو في الاعتقاد لخطورته ولكونه متعلق بمادة هذه المحاضرة ــــ حيث يقول : ( من مظاهر الغلو : الغلو في الاعتقاد ، والعمل ، والحكم على الناس .أما الغلو في الاعتقاد : فهو مجاوزة الحد فيما شرع الله تعالى من الأمور الاعتقادية . فإن الله تعالى إنما أنزل الكتاب وبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم ليكون الدين كله لله ، والغالي لا يكتفي بما أنزل تعالى من الشريعة الكاملة ، بل يسعى إلى الزيادة على ما شرع الله ، ومخالفة ما قصده الشارع من التيسير على المكلفين إلى التشديد على نفسه وعلى غيره ، ونسبة ذلك إلى شرع الله تعالى .والغلو في الاعتقاد أخطر أنواع الغلو ؟ ذلك بأن الاعتقاد درجة عالية من جزم القلب بما فيه من رأي أو فكر أو شرع ، فأصعب ما يكون انتزاعها ؛ لأن صاحبها يدافع عنها كما يدافع عن دمه وماله وعرضه ، ومعلوم أن الغالي إنما يعتقد ما يتوهم أنه شرع الله وليس كذلك ، بل إنما يعتقد فكرا أو رأيا مصدره الهوى .وقال : ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الغلو : غلو الخوارج وهم الفرقة المعروفة في جسم الأمة الإسلامية منذ العصر الأول : إنهم فئة قادهم الغلو في الحكم على صاحب المعصية إلى إلحاقه بمن وقع في الكفر بالله عز وجل ، فكان هذا الغلو الاعتقادي دافعا لهم إلى سلسلة من الجرائم الكبرى بحق الأمة الإسلامية :حيث دفعهم إلى تكفير حكام المسلمين بمجرد الوقوع في المعاصي ثم تكفير عامة من لم يقنع بقولهم هذا من المسلمين ، فكفروا المجتمعات المسلمة فقاتلوا المسلمين ، وخرجوا على حكامهم ...ومن هنا جاء كتاب الله تعالى وجاءت السنة النبوية بالتحذير الشديد من الغلو ، وبيان عواقبه الوخيمة في أمور الدين وأمور الدنيا . ففي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع : هَلُمَّ الْقُطْ لِي ، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ ، قَالَ : " نَعَمْ ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ . وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ .قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " اقتضاء الصراط المستقيم " هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال ، وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار ، وهو داخل فيه مثل : الرمي بالحجارة الكبار ، بناء على أنه أبلغ من الصغار ، ثم علله بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا ، إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به . وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك . ا هـ .
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " قالها ثلاثا . رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود .قال الخطابي في " معالم السنن " المتنطع : المتعمق في الشيء ، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم ، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم . ا هـ .
فهذا خبر عن هلاك من وقع في التنطع الذي هو ضرب من الغلو في الكلام ونحوه ، فدل على أن عقوبة الغالين من المتقدمين والمتأخرين هو : الهلاك ، ولهذا لا يقوم لأهل الغلو دولة ، ولا تجتمع الأمة عليهم ، كما قال الإمام وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - في الخوارج كنموذج للغلو ، عند مناصحته لمن وقع في رأيهم : ( فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم ، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه ، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج.ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض ، وقطعت السبل ، وقطع الحج إلى بيت الله الحرام ، وإذن لعاد أمر الإسلام جاهلية ، حتى يعود الناس يستعينون برءوس الجبال كما كانوا في الجاهلية ، وإذن لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلا ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة ، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا ، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح الرجل المؤمن خائفا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله ، لا يدري أين يسلك أو مع من يكون .
غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته نظر لهذه الأمة فأحسن النظر لهم ، فجمعهم وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج). أ . هـ كلام الشيخ البرجس . (بتصرف من بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو) .

*_ من أسباب الغلو :
للغلو أسباب كثيرة ، تختلف باختلاف كل بيئة ، وتتباين بين مجتمع وآخر ، بل ربما اختلفت من شخص لآخر ، ولذا فإني سوف أذكر في هذه العجالة أهم الأسباب العامة التي تؤدي إلى الوقوع في الغلو :
1 ـــ الجهل ، وقلة البضاعة في فقه روح الشريعة وفهم مقاصدها .
فإذا لم يتحصن الشخص بالعلم الصحيح ، فقد يقع في الغلو والتطرف. قال الشاطبي رحمه الله : البدع لا تقع من راسخ في العلم وإنما تقع ممن لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين في أدلتها .
ولا يرفع من خطورة الجهل ، ما يتصف به بعض أصحابه من ورع أو زهد ، فبعض الغلاة قد يكون لهم نصيبٌ من الإخلاص ، أو غَيْرَة على محارم الله تعالى ، وقلبُهم يمتلئ حماسًا لدينِ الله عز وجل وإقامةَ شرعِ اللهِ في الأرض الأمرُ الذي أدَّى ببعض الناس إلى أن يغترَّ بهم , ويقعَ في حبالهم .
لكن هذا الإخلاصُ وهذا الحماسُ لا يكفي وحده ليكون الإنسان على المنهج الحق . فالأمرُ كما قال الصحابيُّ الجليلُ أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حينما أنكرَ على تلك الطائفة التي كانت تذكرُ اللهَ بطريقةٍ غير شرعيّة , وعلى كيفيّةٍ غير نبويّة ، وقد قالوا له: والله يا أبا عبد الرحمن ! ما أردنا إلا الخيرَ . فقال عبد الله بن مسعود : " وكَمْ مِنْ مُريدٍ للخير لن يصيبَه " . (أخرجه الدارمي 1 / 68 - 69 وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " 5 / 11 ) .
فينبغي الاعتبارَ بما كان عليه الخوارجُ الأوائلُ من كثرة العبادة ، والزهد والتقشّف والورع ، وحسنِ النّيّة والقصد ، مع الشجاعة والتضحية بالنفس ، لكن لما خرجوا عن السّنّة , وخالفوا خيارَ الأمّة - وهم أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم - واستقلُّوا بفهومهم دون فَهْمِ الصحابة للقرآن والسنّة ؛لم تشفع لهم تلك العبادات , ولا أنجتهم عند الله حُسْنُ النّيّات ، بل وَرَدَ في الأخبار النبويّة التحذيرُ منهم , والتنفيرُ عنهم , وبيانُ ضررِهم على الأمّة الإسلامية , مثلُ قولِـه صلى الله عليه وسلم - والخطابُ لأصحابه رضي الله عنهم - : " يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " . (رواه البخاري برقم 5058)
وَمِنْ هنا نُدْرِكُ خطرَ هؤلاء القوم على عقيدة المسلمين وأمْنِهم ودينهم وسلامتهم , ولا ينبغي إطلاقًا الاغترارُ بما يظهرُ من صلاحهم , وحماسهم لهذا الدّين . فلا بُدَّ أنْ يكونَ الحماسُ والغَيْرَةُ منضبطةً بعلم وبصيرة , ومبينةً على فقه وحكمة ورويّة .
والمقصودُ : أنَّه لا ينبغي للمسلم أَنْ يغترَّ بما يظهره الغلاة من العبادة والزهد ، حتى لا يقعَ في حبالهم ، ويلا نخدعَ ببدعتهم وضلالهم .
ولم يزلْ العلماءُ الناصحون قديمًا وحديثًا : ينبهون على خطورة هذا المسلك - أعني النظرَ إلى عبادة الرجل وزهده , ونسيانِ بدعته وضلاله - وسأذكرُ مثالاً واحداً يبين ذلك ويزيد الأمر وضوحًا :
لما كان عمرو بن عبيد - كبيرُ المعتزلة - زاهدًا عابدًا : اغترَّ به بعضُ النّاس , وغفلوا بدعتَه وضلالَه , فقد كان المنصور يعظِّم ابنَ عبيد ويقول : كلّكم يمشي رويد كلّكم يطلب صيد
غير عمر بن عبيد .
فعلَّقَ الحافظُ النّاقدُ الذهبيُّ رحمه الله تعالى على ذلك بكلامٍ نفيسٍ فقال:" قلت : اغترَّ بزهده وإخلاصه ، وأغْفلَ بدعتَه " أهـ . (سير أعلام النبلاء 11/130 ).
2 ــ الطعن في العلماء الربانيين الراسخين ، المشهود لهم بالعلم والنظر الثاقب في مقاصد الشريعة الإسلامية ، والبصيرة التي يميزون بها بين المصالح والمفاسد .
إنما وقع من وقع في الغلو بسبب الطعن في الأئمة والعلماء والقَدْح فيهم واتهامهم بشتى أنواع التُّهَم , وَرَمْيهُمْ بأصنافٍ من العظائم ,مثل اتهامهم بالعمالة والجبن والمداهنة والنفاق , وأنهم علماء السلاطين، إلى غير ذلك من الكذب والبهتان الموجود في قواميسهم .
ولا شك في أن هذا سيؤدي إلى سقوط هيبة أهل العلم بين الناس , وضعف الثقة فيهم، وحينئذ يتخذ الناسُ من الغلاة رؤساءَ فيفتونهم بغير علم ولا بصيرة , فلا تسأل بعد ذلك عن التطرف الانحراف والضلال الذي يحصل في عقائد الناس وأفكارهم !! ولا تسأل أيضًا بعد ذلك عن الفوضى واختلال الأمور واختلاطها في واقع النّاس وحياتهم !! .
فالعلماءُ هُمُ الأمناءُ على دين الله , وواجبٌ على كلّ مكلَّفٍ أخذُ الدِّين عن أهله كما قال بعض السلف : إن هذا العلمَ دينٌ فانظروا عمن تأخذون دينكم .
3 ــ بتر النصوص وأقوال أهل العلم بما يوافق أهواءهم ، والاستدلال ببعض النصوص دون بعض ، وفي هذا تحذير واضح في القرآن الكريم، قال تعالى {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب}.
فالتعلق بظواهر ألفاظٍ من كلام العلماء المحققين , دون عرضها على العلماء , بل يعتمدُ على فهمه , وربما قال حجّتُنا موقع كذا ، أو كلامُ فلان ، أو مطوية كذا ، وقد يستدل بكلام احد العلماء دون أن يعرف مقصودَه بذلك الكلام.
إن اجتزاء النصوص بما يوافق أهواء الغلاة هو أمر درجوا عليهم منذ أن نبتت نابتة الخوارج ، حين استدلوا على مطالبتهم بإبطال التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما بقوله تعالى { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، وهو ما جعل علياً رضي الله عنه ينتقد صنيعهم بقوله :"كلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ". (رواه مسلم 2517)
ولعل ما حملهم على ذلك هو اتباع الهوى ، ولذا حذر تعالى من اتباع الهوى بقوله{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا}.
ومما يحتم وقوع متبع الهوى في الغلو : التعصب لشخصٍ يعظمه ، بقبول رأيه أو الاستماع له أكثر من غيره ، وإن كان ذلك الغير أتقى لله وأكثر علماً وأعمق فقهاً. وربما أبغض من يشاركه في العلم والاتباع حسداً وبغياً ، كما أنكرت اليهود نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حسداً وبغياً رغم يقينهم بصدق رسالته .
وإذا صار الهوى هو القائد والدافع ؛ صار أهله شيعاً يتعصب كل منهم لرأيه ويعادي من خالفه .قال الشاطبي رحمه الله : ( كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك عداوة ولا بغضاء ولا فرقة ، علمنا أنها من مسائل الإسلام ، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنابز والتنافر والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء ، فيجب على كل عاقل أن يجتنبها ، ودليل ذلك قوله تعالى {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى ، فالإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، وكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين ) . (الموافقات 186 ) .
4 ــ ومن أسباب الغلو : الحماس والعاطفة . والعاطفة التي لا تضبط بالشرع تصبح عاصفة . فالتوازن وضبط الحماس والاتكاء من الثوابت الراسخة في كل قول أو فعل أمور مطلوبة في هذا الباب .
لا ننكر أن للمشاعر حقها في التفاعل ، أما الأفعال فلا بد أن تكون مضبوطة بهدي الكتاب والسنة ومقاصد الشرع وضوابط المصلحة .
ولهذا نجد أن العلماء يربطون الحماسَ والغَيرةَ للدّين الموجودةَ عند الشباب بالحكمة والبصيرة حتى تؤتي ثمارها , وتكون عاقبتُها إلى خير وفلاح .
يقول العلامة الشيخ صالح الفوزان : " الغَيرةُ على الدِّين ، والحماسُ لا يكفيان ، لابُدَّ أن يكونَ هذا مؤسَّسًا على علمٍ وفقهٍ في دين الله عز وجل ، يكونُ ذلك صادِرًا عن علم , وموضوعاً في محلّه , والغَيرةُ على الدِّين طيّبةٌ , والحماسُ للدِّين طيّبٌ , لكن لا بُدَّ أن يُرَشَّدَ ذلك باتباع الكتاب والسنَة . ولا أَغْيَرَ على الدّين ، ولا أنصحَ للمسلمين من الصحابة رضي الله عنهم ومع ذلك قاتلوا الخوارجَ لخطرِهم وشرِّهم " ... وقال أيضاً: " لأنهم جماعةٌ اشتدُّوا في العبادة والصلاة والصيام وتلاوة القرآن , وعندهم غَيرةٌ شديدةٌ , لكنّهم لا يفقهون ! وهذه هي الآفَة!.
فالاجتهادُ في الورع والعبادة لابُدَّ أن يكون مع الفقه في الدّين والعلم ، ولهذا وصفهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه : بأنَّ الصحابة يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم ، وعبادتهم إلى عبادتهم ثم قال : يمرقون من الإسلام كما يمرقُ السّهمُ من الرّميّة ، مع عبادتهم ومع صلاحهم ومع تهجّدهم وقيامهم بالليل ، لكن لما كان اجتهادُهم ليس على أصلٍ صحيحٍ ، ولا على علمٍ صحيحٍ صارَ ضلالاً ووبالاً ، وشرًّا عليهم وعلى الأمّة " أهـ . (محاضرات في العقيدة والدعوة 3/359-360).
ويدخل في باب العاطفة : نشر الحكايات والرؤى والمنامات :ولذا فلا ينبغي أن نعجب إذا سمعنا من يقول أنه رأى فلاناً ممن فجروا أنفسهم ينغمس في أنهار الجنة ، وأن فلاناً تعانقه الحور العين، وغير ذلك ممن الشائعات والادعاءات التي أساسها الكذب والوهم .
5 ــ ومن أسباب الغلو : مجالسة الغلاة . قال تعالى { وإذا رأيتَ الذينَ يَخُوضونَ في آيَاتِنا فأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فيِ حَديثِ غَيرِهِ و إمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيطانُ فلاَ تقعُدْ بَعدَ الذِّكْرَى معَ القَومِ الظَّالِمينَ* وما علَى الذينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهم مِّن شيءٍوَلكِن ذِكْرَى لَعلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، وهذا أمر للمؤمن بأن يتجنب ويبتعد عن المشككين وأهل الانحراف والتأويل الباطل وأصحاب الهوى .
قال مجاهد في معنى قوله : (الذين يخوضون): هم الذين يقولون في القرآن غير الحق. وقال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل. وقال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تُركت مجالسته وهُجر. ( القرطبي في التفسير7/ 12- 13) .
قال تعالى{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية{هو الذي أنزل عليك الكتاب} إلى قوله: {أولوا الألباب} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيت الذين يتَّبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى اللهُ، فاحذروهم ". (رواه البخاري 4547) .
ولما سئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن مجالسة أهل البدع والأهواء ، أجاب : لا يجوز مجالستهم ولا اتخاذهم أصحاباً، ويجب الإنكار عليهم وتحذيرهم من البدع، نسأل الله العافية.( مجلة الفرقان، العدد 100 في ربيع الثاني 1419هـ.)
6 ـــ ومن أسباب الغلو :استفزاز المتدينين :
لا يخفى الدور الاستفزازي الذي يقوم به دعاة التغريب الذين يسعون إلى قتل الفضائل ونشر الرذائل ومحاربة الحسبة والدعوة ، وحملوا راية التغريب ظناً منهم أنهم بذلك يسعون في نهضة الأمة، وأساءوا من حيث ظنوا أنهم أحسنوا ، وحاربوا التدين وهاجموا الدعوة للتخلص من هيمنة الدين على الحياة ، بزعم السعي إلى نهضة على المستوى التقني والحضاري والمعرفي والثقافي. فبشروا بمشروع هجين مستورد اصدق ما يمكن تسميه به هو " المشروع الشهواني" ، لأن هدفه يرمي إلى فتح أبواب الشهوات على مصاريعها ، وإن حاولوا أن يوهموا المسلمين أنهم يسعون إلى البناء والتنمية واللحاق بالقوى الأخرى في مجالات القوة الاقتصادية من صناعة و زراعة و علوم وتقنية وغيرها ، فهؤلاء لا هم لهم إلا الشهوات وصدق الله تعالى القائل {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}.
ولما كانت الأمة تأوي إلى ركن مكين من النص المعصوم في الكتاب والسنة ، فقد عمل أصحاب هذا المشروع على تقويض النص وتجاوز الثوابت بل وبعضهم وقع في الطعن في الذات الإلهية ، ظناً منهم أن ذلك سيؤدي إلى تلاشي قدسية النص ويسقط حجج المتدينين وينفض الناس عن التدين . فلكي تكون كاتباً مبدعاً لا بدّ أن تطعن في بعض ثوابت الدين ، حتى ولو وصل بك الأمر إلى وصف ما لا يُعجبك من الأحاديث النبوية الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتّوحش والعنصرية ومصادمة حقوق الإنسان !!.
ولكي توصف بأنك مفكر ومنظر له حضوره التام في كافة المحافل والمنتديات ، فإنه يجب عليك أن تثبت ما يؤهلك لذلك ، كأن تجعل رب العالمين والشيطان سواءاً ، بقولك عنهما إنهما وجهان لعملة واحدة (تركي الحمد) وأن تصف الله بأنه إله قاس (بدرية البشر) ، وأنه إله سجان جلاد ( هاني النقشبندي) ، وأن الله لا يقوى على وزارة الاعلام (عبدالله بن بخيت ) ، وأن تقول عن الله : "الله الذي استأثر بالهناء ... ألم يخن الله نفسه؟" ، "وساوس الله وساقه وخلخاله" . (وردة عبدالملك في رواية الأوبة) .
فإن لم يمكن تقويض النص ، فلا بد من العمل على الحد من تأثيره.وفي ذلك يقول أحدهم : ( إذا تحدثنا عن المشاكل التي يسببها الزواج بأكثر من امرأة واحدة ثاروا في وجيهنا باسم الدين. إذا تحدثنا عن استغلال خرافة تفسير الأحلام ثاروا في وجيهنا باسم الدين. إذا تحدثنا عن السحر والخزعبلات الأخرى ثاروا في وجيهنا باسم الدين. إذا تحدثنا عن الخزعبلات المربوطة بالجن ثاروا في وجيهنا باسم الدين. إذا تحدثنا عن الهيئة ثاروا في وجيهنا باسم الدين. أشياء كثيرة أخرى ما أن يقترب منها الكاتب حتى تجدهم ينقضون عليك باسم الدين ) . ( عبدالله بن بخيت ، جريدة الرياض السبت 18 ربيع الآخر 1431 ، العدد 15258 ) .
فإن لم يُجدِ ذلك ، فلا بد من تأويل النص ، فالاختلاط سائغ بدليل دخول نبي الله يوسف عليه السلام على النسوة ، وكشف الوجه جائز بحجة وجود خلاف فقهي حول وجوبه ، والسينما ضرورة لأنها تفتح آفاقاً ثقافية ومعرفية والدين حثنا على العلم والتعلم ، والالتزام بشعائر الإسلام الظاهرة تشدد وتزمت ، والدين يسر وسماحة ، واتباع أقوال أهل العلم حجر على العقول وتعطيل لملكة التفكير والله أمرنا بالتفكر والتدبر ... ألخ .
ولا زلنا نفاجأ بين الفينة والأخرى بمقال من هنا ولقاء من هناك ، وتحقيق صحفي من هنالك ، ونسمع في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ما يفوق الحصر من التصريحات والندوات واللقاءات لكثير من الكتاب والمعلقين والصحفيين ممن اتخذ العلمانية له منهجاً ، حول ما هو من الإسلام وما ليس منه ، ما يجوز وما لا يجوز ، وما يباح وما لا يباح ، وهذا عجب عجاب ، فهل يسوغ أن ينصب العلمانيون أنفسهم دعاة وقضاة يعتلون منابر الفتوى والتوجيه والإرشاد ، في بلد مليء بالعلماء الربانيين وبالدعاة الصادقين المخلصين نحسبهم كذلك والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً .
هذا الطرح أدى إلى استفزاز بعض الشباب المتحمس ، فتلقفهم الغلاة وأقنعوهم بأن التكفير والتفجير هو الحل ، وأن القضاء على هذه المنكرات يكون بالخروج عن جماعة المسلمين وإسقاط العلماء واستباحة الأرواح .


*- أبعاد الغلو :
بالاستقراء يمكن تقسيم أبعاد الغلو على مستويات أربعة : المستوى العقدي ، والمستوى الدعوي ، والمستوى الأمني ، والمستوى الاجتماعي .
أولاً المستوى العقدي :
1 ــ تكفير حكام ومجتمعات المسلمين : ولهم في ذلك شبه كثيرة منها : مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، دون النظر إلى التفصيل في هذه المسألة ما بين كفر وظلم وفسق .
ومنها شبهة موالاة الحكام لغير المسلمين ومظاهرتهم على المسلمين .
ولا تخفى ردود أهل العلم على هذه الشبهات وغيرها ، وليس هنا مجال بسطها .
وبنوا على ما سبق تكفير الحكومات ، وتكفير أعضائها بأعيانهم ، وكفروا بقية أفراد النظام حتى وصل بهم الغلو إلى تكفير أعيان الشرط بشبهة أنهم أعوان النظام الكافر ، وقد سوغ لهم هذا استباحة دماء المسلمين من رجال الأمن والشرطة .
واشتط بعضهم فكفر عموم المسلمين بحجة أن من لم يكفر الكافر فهو كافر ، دون أن يلتفتوا إلى شروط التكفير وموانعه .
بل إنهم جعلوا الوطن دار حرب فاستهدفوا الآمنين والمفاصل الاقتصادية والمواقع الاستراتيجية ، لشبه وحجج قامت في عقولهم جعلتهم يسترخصون الأرواح ويستبيحون الأموال ، دون أن يلتفتوا لتحذير أهل العلم والفقه من ذلك .
والعجيب أن أحدهم لو سئل عن حكم شرعي جزئي لنصح السائل بسؤال أهل العلم الموثوقين في دينهم المعروفين بعلمهم وأمانتهم !!.
تساهل في الدماء والأرواح ، مقابل تحرٍ ودقة زائدة في المسائل الفرعية الجزئية !!.
قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم وفي أمثالهم:"سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة ". (رواه مسلم 2511) .
2 ـــ الخروج ومفارقة جماعة المسلمين : إذ بات ولاؤهم الحقيقي لجهات خارجية تستخدمهم ـ من حيث شعروا أم لم يشعروا ـ أدوات لهدم الدار فوق رؤوسهم ورؤوس إخوانهم من المسلمين .
فهؤلاء جعلوا طاعتهم وولاءهم لأشخاص يحركونهم بالخطابات الحماسية والرسائل الانترنتية والعبارات المشفَّرة ، عبر قنوات عميلة ومواقع مشبوهة ، ولا يُعرف هؤلاء بعلم ولا فقه ولا حرص على مصالح الأمة وقضاياها .
ولا يرون في أعناقهم بيعة لولاة الأمر ، ولا يعتقدون بوجوب طاعتهم في غير معصية الله ، ولا يتبعون منهج النصح والدعاء لهم .
قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه". (رواه مسلم 1848) .
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومه لائم". (رواه البخاري 6774 ) .
ثانياً : المستوى الدعوي :
1 ـــ تنفير الناس من التدين. فعلى الرغم من أن الغلاة يدعون أنهم يسعون لنصرة الدين والدفاع عن الإسلام ، إلا أن أفعالهم الدموية والتخريبية والعبثية التي لا تقرها شريعة ولا يرضاها دين ولا يقبلها عقل ، شوهت الدين ونفرت الناس من التدين ، بحيث صار الرجل يسترجع إذا عرف أن ولده سار في ركب الصالحين واستقام مع المستقيمين ، وأكب على تلاوة كتاب الله وحفظه وسماع المحاضرات النافعة والمشاركة في الأنشطة الدعوية ، بعد أن كانت أمنيته التي يتمناها ـ شأنه شأن كل أب ـ أن يرى ولده في يوم من الأيام مستقيماً صالحاً مصلياً صواماً قواماً .
فهل الدعوة إلى الله تكون بإزهاق الأرواح المسلمة وقتل الأنفس المؤمنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ما زال ينكر على أسامة بن زيد رضي الله عنه قتله الرجل المشرك الذي روى سيفه من دماء الصحابة ، ولما رأى بارقة السيف فوق رأسه قال : لا إله إلا الله "، فقتله أسامة متأولاً ، فما زال النبي صلى الله عليه وسلم ينكر عليه ويردد : "يا أسامة أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله "، حتى قال أسامة تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . (رواه البخاري برقم 4269) .
وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم:" يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا". ( رواه البخاري برقم 69) .
وهل الانتصار للملة والشريعة كما يزعم هؤلاء يكون بالتدمير والتخريب وزعزعة الأمن وترويع المسلمين الآمنين . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
لا شك في أن هؤلاء يشوهون الإسلام بأعمالهم وينفرون الناس من الدين السمح ـــ الذي أزله لله رحمة للناس ـــ بسوء تصرفاتهم ، ويخدمون أعداء الإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال :" إن منكم منفرين ".
2ـــ إشغال العلماء والدعاة بالرد عليهم دون ما هو أهم ، ما أضاف إلى أعبائهم الدعوية أعباءاً جديدة.
فبدلاً من أن يمضي الدعاة في مشروع تعريف العالم بالإسلام خصوصاً بعد الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم ومهاجمة الإسلام واتهامه بالتطرف والوحشية ، والإساءة إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فإنهم وجدوا أنفسهم مضطرين للانكفاء والالتفات نحو الداخل لمعالجة أسس وجذور هذا الخلل الفكري .
كل هذا تطلب من العلماء والدعاة جهوداً كبيرة للرد على أصحاب هذا الفكر وتجلية شبهاتهم ، فكانت هذه الجهود على حساب جهود أخرى كان ينبغي أن توجه للخارج ذباً عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن دين الإسلام في خضم الحرب العالمية على الإرهاب التي تهدف في حقيقتها إلى تشويه صورة هذا الدين العظيم .
ثالثاً : المستوى الأمني :
1 ـــ زعزعة الأمن بالتفجير وقتل الناس ، فاستباحوا دماء الناس وأرواحهم وأموالهم ، وزعزعوا الأمن . وقدموا الفرصة سانحة للطامعين وأصحاب المصالح للتدخل في شؤون المملكة بحجة عدم قدرتها على ضبط الأمن ، وحماية حقول النفط.
2 ـــ تقديم الذريعة للمتربصين بالوطن للتدخل في أمور وطنية سيادية، أذكر منها قضية التعليم لأهميتها .
فقد أعطت أفعال الغلاة الدموية الفرصة للغرب للتدخل في مناهج التعليم ، بحجة أن هذه المناهج تعلم الإرهاب وتربي الطلاب على كره الآخر وتكفيره ومعاداته ، ساعدهم في ذلك بعض المأجورين والمارقين الذين تطوعوا للبحث عن كل نص يمكن إدانة المناهج به ولو كانت دلالته موهمة أو محتملة .
فبرزت بعض الأصوات مطالبة بتغيير المناهج في المملكة ، ومن ذلك :
قدم النائب ( جيم دافيس ) من الحزب الديمقراطي عن ولاية فلوريدا في مجلس النواب الأمريكي مشروع قرار في ( يونيه سنة 2002 م ) حول المناهج السعودية ، ركز فيه على مطالبة الحكومة الأمريكية بالتدخل المباشر لتغيير مناهج التعليم السعودية. وقامت لجنة أمريكية لها علاقة بموضوع المناهج التعليمية في المملكة ، بوضع تقرير مفصل قدمته للإدارة الأمريكية ، انتقدت فيه :
أ ــ سياسة التعليم لأنه يقوم على الإسلام ، والدراسات الإسلامية تشكل جزءاً رئيساً في الكتب المقررة ، وحتى الكتب العلمية تشير إلى الإسلام .
ب ـــ السعوديون يقولون إن الإسلام هو أساس الدولة والمجتمع والقضاء والتعليم والحياة اليومية .
ج ـــ المناهج السعودية لا تعترف بأي حق لليهود في فلسطين وأرض إسرائيل .
د ـــ المناهج السعودية تقدم قضية فلسطين بأنها احتلها اليهود الأجانب .
هـــ ترفض المناهج إلغاء الجهاد كما يدعو لذلك بعض المسلمين ، مثل الطريقة القادرية .
و ـــ المناهج السعودية تركز على فصل النساء عن الرجل ، وتركز على حجاب المرأة .
ز ـــ وصف المنهج بأن ما تقوم به بعض النساء من كشف أجسامهن للرجال الغرباء بأنه ذنب كبير .
وكتب " توماس فريدمان " مقالاً بعنوان : " إما أن تتخلص أمريكا من الشاحنات الصغيرة أو يتخلص السعوديون من المناهج الإسلامية المدرسية " . نشر في جريدة " نيويورك تايمز " ، ومن أبرز ما ورد فيه انتقاده " لكتاب المدرسة الخاص بالسنة العاشرة ( الأول ثانوي) والمنتشر في جميع المدارس السعودية لأنه يتضمن نصاً يقول : إنه واجب على المسلمين أن يتآخوا فيما بينهم ... ".
وكتب " نيل ماكفار كوهار " مقالاً بعنوان : " وجهات النظر المتطرفة والمعادية للغرب في المدارس السعودية ، ونشر في صحيفة " نيويورك تايمز " في 18 / 10 / 2001 م ، انتقد فيه كسابقه مطالبة " الدروس الصفية في الكتب المدرسية المقررة من المسلمين أن يكونوا موالين لبعضهم البعض". وأضاف منتقداً : إن حجم مقررات التربية الإسلامية التي تدرس في المدارس السعودية كما يقول بعض أولياء أمور الطلاب يعادل ثلث المنهج ، وكلها تركز على المواضيع الدينية.
ويأتي التكفيريون بأفعالهم المرفوضة ، وتصرفاتهم الخارجة عن وسطية الاسلام وروح الشريعة وقواعد الملة ، والتي أنكرها العلماء والدعاة والعقلاء ، فأكدوا بهذه الأفعال مزاعم التغريبيين ، وكأن العملية تبادل أدوار بينهم ، فهذا يكتب بقلمه ، وذاك يؤكد بأفعاله!!.وبين هؤلاء وأولئك وقف أهل الوسطية ينافحون عن الدعوة ومحاضن الخير ويدافعون عن المكتسبات والانجازات .
رابعاً : المستوى الاجتماعي :
1 ـــ زعزعة الأمن الفكري ، وذلك بمحاولة إسقاط العلماء وتهميشهم، لإدراكهم أن العلماء هم صمام الأمان الذي يحبط ويفشل ما يخططون له من قتل وتخريب.وإذا أسقط العلماء خلت الساحة أمامهم لبث أفكارهم وسمومهم .
فالعلماء عند التكفيريين هم علماء سلطة ، وزبانية الظلمة ، ومفتون للحكام وفق ما يشتهون ، لا يفقهون الواقع ، علماء حيض ونفاس ، علماء الوراق الصفراء وحسب ، منافقون ، مداهنون ، يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل.
وكان من آثار هذه الآفة الخطيرة أن تبلبلت أفكار كثير من الشباب . فمنهم من ضل طريق الهدى وصار يتبع ما يرسمه له متبعوا أهوائهم ووقعوا في حزبية مقيتة أو عصبية جاهلية منتنة. ومنهم من صار بينه وبين العلماء فجوة كبيرة ووحشة عظيمة فابتعد عنهم بل وقع في أعراضهم ، وبات يلهث خلف من يفسدون في الأرض بدعوى الإصلاح تارة بالعلمنة وتارة بالتغريب وتارة ببث روح الفرقة والشقاق في المجتمع .
2 ـــ تضييع الطاقات الشابة وتبديدها حيث استقطب هذا الفكر شريحة من الشباب مستغلاً حماسهم وغيرتهم على الدين والدعوة ، واستياءهم التجاوزات التي يقوم بها التغريبيون ، فاندفعت إليه هذه الفئة بإخلاصها وحبها لدينها ظناً منها أن اعتناق هذا الفكر نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فجعلها طاقات هدم وتخريب في الأمة بدلاً من أن تكون طاقات بناء .
فكم من الشباب الغض الطري قتل جراء تمسكه بهذا الفكر ؟.
وكم من شاب فاعل مؤثر منتج ذهب ضحية لتنفيذ مخططات هذا الفكر ؟.
هذا ما تيسر جمعه وكتابته ، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الفهرس :
1 ـ مقدمة في وسطية أهل السنة والجماعة.
2 ـ معنى الغلو لغة واصطلاحاً .
3 ـ مظاهر الغلو :
أ ـ الغلو الاعتقادي .
ب ـ الغلو في العمل .
ج ـ الغلو في الحكم على الناس .
4 ـ أسباب الغلو :
أ ـ الجهل .
ب ـ الطعن في العلماء.
ج ـ بتر النصوص .
د ـ الحماس والعاطفة .
هـ ـ مجالسة الغلاة .
و ـ استفزاز المتدينين .
5 ـ أبعاد الغلو :
أ ـ أبعاده على المستوى العقدي :
ـ تكفير حكام ومجتمعات المسلمين .
ـ الخروج ومفارقة جماعة المسلمين
ب ـ أبعاده على المستوى الدعوي :
ـ تنفير الناس من التدين.
ـ إشغال العلماء والدعاة بالرد عليهم دون ما هو أهم .
ج ـ أبعاده على المستوى الأمني :
ـ زعزعة الأمن بالتفجير وقتل الناس
ـ تقديم الذريعة للمتربصين بالوطن.
د ـ أبعاده على المستوى الاجتماعي :
ـ زعزعة الأمن الكري في المجتمع .
ـ تبديد طاقات الشباب وتضييعها .
مغرب يوم الجمعة 21/8/1432 هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق