الثلاثاء، 11 مارس 2014

ليس من الاحتساب إثارة الفتنة

ليس من الاحتساب إثارة الفتنة

د/ عبدالعظيم بدوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..
فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة من شعائر هذا الدين، قال اللهُ تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (آل عمران: 104- 109).
قال الرازيّ ُ- عفا الله عنه-: اعلم أَنَّهُ تعالى – في الآياتِ المتقدمة على هذه الآيات ِ- عابَ أهلَ الكتابِ على شيْئيْنِ: أحدهما: أَنَّهُ عابهم على الكفرِ، فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ (آل عمران: 98)؟ ثُمَّ بعدَ ذلك عابَهم على سعيهم في إلقاءِ الغيرِ في الكفرِ، فقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (آل عمران: 99)؟ فَلَمَّا انتقلَ منه إلى مخاطبةِ المؤمنين أمرَهم أولاً بالتَّقوى والإيمانِ، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا (آل عمران: 102- 103)، ثُمَّ أمرَهم بالسَّعي في إلقاءِ الغيرِ في الإيمانِ والطَّاعةِ، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ (مفاتيح الغيب 8/ 181)؛ لأَنَّهُ لا يكفي أَنْ يكونَ العبدُ مؤمنًا في نفسِهِ حتى يدعو غيْرَهُ إلى الإيمانِ، ولا يكفي أَنْ يكونَ صالحًا حتى يسعى في إصلاحِ غيرِهِ، ولا يكفي أَنْ يكونَ مهتديًا حتى يسعى في هدايةِ غيرِهِ، ولذلك قال اللهُ تعالى: وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (سورة العصر)، فإذا دعا المؤمنُ الكافرَ إلى الإيمانِ، والفاسقَ إلى تركِ الفسوقِ والعصيانِ، فَقُبِلَ منه، فذلك فضلُ الرحمنِ، وإِنْ لم يُقْبَلْ منه فقد برَّأَ ذمتَهُ، ولا يضرُهُ كفرُ الكافرِ، ولا فسقُ الفاسقِ، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة: 105)، يعني إذا أمرَتُم بالمعروفِ، ونهيتُم عن المنكرِ، فلم يُقْبَلْ منكم، فلا يضرُكم ضلالُ الضَّالينَ، وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الأنعام: 164).
حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وفي قولِهِ تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ قولانِ: 
أحدهما: أَنَّ مِنْ للتَّبْيِّينِ لا للتبْعيضِ، كقولِهِ تعالى: 
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ (الحج: 20)، وقولِ الرجلِ لابْنِهِ: أريدُ منك رجلاً. ومعنى الآية: كونوا أمةً دعاةً إلى الخيرِ، آمرين بالمعروفِ، ناهين عن المنكرِ، ويدلُّ على ذلك دليلانِ: 
الأولُ: أَنَّ اللهَ تعالى أوجبَ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكر على كلِّ الأمةِ في قولِهِ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران: 110).
والثَّاني: هو أَنَّهُ لا مكلفَ إِلاَّ ويجبُ عليه الأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ، إِمَّا بيدِهِ، أو بلسانِهِ، أو بقلبِهِ. ويجبُ على كلِّ أحدٍ دفعُ الضررِ عن النَّفسِ.
والقولُ الثَّاني: أَنَّ مِنْ للتبعيضِ؛ لأَنَّ في القومِ من لا يقدرُ على الدَّعوةِ، ولا على الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ، كالمرضى والعاجزين، وعليه فإِنَّ هذا التَّكليفَ مختصٌ بالعلماءِ، ويدلُّ عليه وجهانِ: 
الأولُ: أَنَّ هذه الآيةَ مشتملةٌ على الأمرِ بثلاثةِ أشياءٍ: الدعوةُ إلى الخيرِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنَّهيُ عن المنكر، ومعلومٌ أَنَّ الدَّعوةَ إلى الخيرِ مشروطةٌ بالعلمِ بالخيرِ وبالمعروفِ وبالمنكرِ، فإِنَّ الجاهلَ ربَّمَا دعا إلى الباطلِ، وأمرَ بالمنكرِ، ونهى عن المعروف، وقد يُغْلِظُ في موضعِ اللين، ويَلِينُ في موضعِ الغلظةِ، وينكرُ على من لا يزيدَهُ إنكارُه إِلاَّ تماديًا، فثبتَ أَنَّ هذا التَّكليفَ متوجهٌ إلى العلماءِ، ولا شكَّ أَنَّهم بعضُ الأمة، ونظيرُ هذا في قولِهِ تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ (التوبة: 122).
الثاني: أَنَّا جمعنا على أَنَّ ذلك واجبٌ على سبيلِ الكفايةِ، بمعنى أَنَّهُ متى قامَ به البعضُ سقطَ عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقمْ بذلك بعضُكم، فكان في الحقيقةِ إيجابًا على البعضِ لا على الكلِ. (مفاتيح الغيب 8/182).
وقد جمعَ ابْنُ كثيرٍ – رحمه الله- بيْنَ القولين بأنَّ الدَّعوةَ فرضٌ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ بحسبِ استطاعتِهِ، كما في الحديثِ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (مسلم 49)، وأَنَّ على الأمةِ أَنْ تُخَصِّصَ طائفةً منها للقيامِ بهذا الواجبِ، فإنَّ الدَّعوةَ إلى الخيرِ تتفاوت، فمنها ما هو بيِّنٌ يقومُ به كلُّ مسلم، وذلك كالدَّعوةِ إلى إقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانِ، وحجِ البيتِ، وتركِ الزنى والرِّبا والخمرِ، ونحو ذلك، ومنها ما يحتاحُ إلى علمٍ، فهذا الذي تقومُ به الطائفةُ الخاصة، وهو ما يسمى بفرضِ الكفاية، فالأمَّة كلِّها مكلفة بأن يكون فيها علماءُ متخصِّصُون متفرِّغون للدَّعوةِ في الداخل والخارج، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويحوطهم السلطانُ بقوَّةٍ تحميهم وتساندهم، وتعاونهم على تغيير المنكر باليد في الشوارع والطرقات، فمنهجُ الله في الأرض ليس مجرَّدَ وعظٍ وإرشادٍ وبيان فهذا شَطْرٌ، أمَّا الشَّطْرُ الآخر فهو القيامُ بسلطة الأمرِ والنَّهْيِ على تحقيقِ المعروف ونفيِ المنكر من الحياة البشرية، وصيانة تقاليد الجماعة الخيِّرَة أن يعبث بها كلُّ ذي هوى، وكلُّ ذي شهوة، وكلُّ ذي مصلحة، وحماية هذه التقاليدِ الصالحة من أن يقولَ فيها كلُّ امرئٍ برأيه وبتصوُّرِهِ زاعمًا أنَّ هذا هو الخير والمعروف والصواب. (الظلال 2/ 28).
الدعوة إلى إحياء وظيفة الحسبة
وهذه هي وظيفة الحسبة، التي عمل بها المسلمون قرونًا كثيرة، ثم أُهملت فانتشر الفساد في الأرض، ونحن نرجو الله أن يوفق من سيتولى أمر هذه البلاد إلى إحياء هذه الوظيفة، حتى تصبغ الحياة كلها بالصبغة الإسلامية، فتنتشر الفضيلة، وتختفي الرذيلة، وتملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما مُلئت ظلمًا وجورًا.
شروط المحتسب
ويشترط في الأفراد الذين يعينون لهذه الوظيفة شروط:
العلم بالمعروف والمنكر
أَنْ يكونَ كلٌّ منهم عالمًا بالمعروفِ، فإِنْ لم يكنْ عالمًا فإِنَّهُ لا يجوزُ أَنْ يأمرَ به؛ لأَنَّهُ قد يأمرُ بما يظنُهُ معروفًا وهو منكرٌ ولا يدري، ولا بدَّ أَنْ يكونَ عالمًا بالمنكرِ، فإِنْ لم يكنْ عالمًا به فلا ينهَ عنه؛ لأَنَّهُ قد ينهى عن شيْءٍ هو معروفٌ، أو ينهى عن شيْءٍ يظنُهُ منكرًا وهو مباحٌ، فيضيِّقُ على عبادِ اللهِ ما وسَّعَ اللهُ عليهم. 
ولذلك قال معاذُ بْنُ جبلٍ: العلمُ إمامٌ والعملُ تابعه. وقال عمرُ بْنُ عبدِ العزيزِ: من عبدَ اللهَ بغيرِ علمٍ كان ما يفسدُ أكثرُ مِمَّا يصلحُ. وترجمَ البخاريُّ في صحيحِهِ بذلك فقالَ: (بَابٌ الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ) قال ابْنُ المنذرِ: أرادَ به أَنَّ العلمَ شرطٌ في صحةِ القولِ والعملِ، فلا يعتبرانِ إِلاَّ به. فهو متقدمٌ عليهما لأَنَّهُ مصححٌ للنِّيةِ المصححةِ للعملِ (فتح الباري 1/ 159 – 160)، وهذا ظاهرٌ، فإِنَّ القصدَ والعملَ إِنْ لم يكن بعلمٍ كان جهلاً وضلالاً واتباعًا للهوى، وهذا هو الفرقُ بيْنَ أهلِ الجاهليةِ وأهلِ الإسلام. فلا بدَّ من العلمِ بالمعروفِ والمنكرِ والتَّمييزِ بيْنَهما.
العلم بحال الناس قبل الأمر والنهي
ولا بدَّ من العلمِ بحالِ المأمورِ والمنهي، فلا يأخذُ النَّاسَ بالتُّهمِ والظنونِ، فيبادرُ بأمرِهم بمعروفٍ يظنُهم تاركيه وهم له فاعلون، أو يبادرُ بنهيهم عن منكرٍ يظنهم فاعليه وهم له تاركونَ، ولذلك كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يستفهِمُ أولاً قبلَ أَنْ يأمرَ:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَصَلَّيْتَ يَا فُلاَنُ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» (متفق عليه)، فلم يأمرهُ بالصلاةِ حتى سألَهُ وعرفَ منه أَنَّهُ لم يصلِ.
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافةالفتنة والمفسدة
ويشترطُ أَنْ تكونَ مصلحةُ الأمرِ والنَّهي راجحةً على المفسدة؛ إذ بهذا بُعِثَتِ الرسلُ، ونزلتِ الكتبُ، وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (البقرة: 205)، بل كلُّ ما أمرَ به فهو صلاح، وقد أثنى على الصَّلاحِ والمصلحينَ، والذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، وذمَّ المفسدينَ في غيرِ موضعٍ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحبُّ توسعةَ الكعبةِ، ثُمَّ ترك ذلك لِمَا يخشاه من المفسدةِ، كما في الصحيح: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ، لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ» (متفق عليه).
فحيثُ كانتْ مفسدةُ الأمرِ والنَّهي أعظمَ من مصلحتِهِ لم تكن مِمَّا أمرَ اللهُ به، وإِنْ كان قد تُرِكَ واجبٌ وفُعِلَ محرم؛ إذ المؤمنُ عليه أَنْ يتقي اللهَ في عبادِهِ وليس عليه هداهم، وهذا معنى قولِهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة: 105)، والاهتداءُ إِنَّمَا يتمُّ بأداءِ الواجباتِ، فإذا قام المسلمُ بما يجبُ عليه من الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ، كما قامَ بغيرِهِ من الواجباتِ، لم يضرَّهُ ضلالُ من ضل. 
غلط المخالفين لهذه القاعدة
وهنا يغلطُ فريقانِ من النَّاسِ: فريقٌ يتركُ ما يجبُ من الأمرِ والنَّهي، تأويلاً لهذه الآيةِ، وقد بيَّنَا الصوابَ منها. والفريقُ الثَّاني: من يريدُ أَنْ يأمرَ وينهى إِمَّا بلسانِهِ أو بيدِهِ مطلقًا من غيرِ فقهٍ وحلمٍ وصبرٍ ونظرٍ فيما يَصْلُحُ من ذلك وما لا يصلح، وما يقدرُ عليه وما لا يقدرُ، فيأتي بالأمرِ والنَّهي معتقدًا أَنَّهُ مطيعٌ في ذلك للهِ ورسولِهِ، وهو معتدٍ في حدودِهِ، كمَا انتصبَ كثيرٌ من أهلِ البدعِ والأهواءِ، كالخوارجِ والمعتزلةِ والرافضةِ وغيرِهم مِمَّن غلطَ فيما أتاه من الأمرِ والنَّهي والجهادِ على ذلك، وكان فسادُهُ أعظمَ من صلاحِهِ.
وقد تناقلت وسائل الإعلام أوائل الشهر الماضي نبأ قيام بعض الشباب بهدم الأضرحة والمقامات، ونسبت ذلك إلى السلفية والسلفيين قبل أن يتم أي تحقيق، ونحن نقول: إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وغير مُسْتَبِعَد أن يقوم بهذا العمل مفسدون في الأرض، لا يريدون الخير للبلاد، ويريدون تشويه صورة السلفيين تنفيرًا للناس منهم، كما أننا لا ننكر أن يقوم بعض الشباب المتحمسين الغيورين بهذا العمل لقلة فقههم، وبُعدهم عن الراسخين في العلم، الذين يقدرون الأشياء حق قدرها، وينظرون في عواقب الأمور، ويوازنون بين المصالح والمفاسد، وفق هذه القاعدة التي بيناها، ولهؤلاء الشباب نقول: يا أبناءنا – وفقكم الله – لا تستعجلوا، ولا تقدموا على شيء حتى ترجعوا إلى العلماء الربانيين، وتعلَّموا الأصول، فإن من لم يتعلم الأصول حُرِمَ الوصول، وابدءوا بما بدأ الله به وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فالدعوة أولاً، ثم الأمر والنهي وفق الأصول والقواعد التى بيناها، فادعوا إلى الخير، وفقّهوا الناس في الدين، وعلموهم الأصول المتفق عليها، واتركوا المختلف فيه الآن، حتى يدخل الناس في دين الله أفواجًا.
الرفق واللين
ولا بدَّ للدَّاعيةِ أَنْ يكونَ هينًا لينًا، رفيقًا رقيقًا، «فَمَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ» (متفق عليه)، وقد بعثَ اللهُ موسى وهارونَ إلى فرعونَ فقال لهما: فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (طه: 44)، فإذا كان موسى أُمِرَ أَنْ يقولَ لفرعونَ قولاً لينًا، فنحنُ أولى بذلك، وحينئذٍ يحصلُ الآمرُ النَّاهي على مرغوبِهِ، ويظفرِ بمطلوبِهِ، ولذلك امتنَّ اللهُ على نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم بقولِهِ: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران: 159).
الحلم والصبر
ولابدَّ أيضًا أَنْ يكونَ حليمًا صبورًا على الأذى، فإِنَّهُ لا بدَّ أَنْ يحصلَ له أذى، فإِنْ لم يحلمْ ويصبرْ كان ما يفسدُ أكثرُ مِمَّا يصلح، كما قَالَ لقمانُ لابْنِهِ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (لقمان: 17)، ولهذا أمرَ اللهُ الرُّسلَ -وهم أئمةُ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ بالصبر- وأمرَ بها خاتمَهم منذُ أَنْ كلَّفَهُ بالدَّعوةِ فقال: يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (المدثر: 1- 7)، فافتتحَ آياتِ الإرسالِ إلى الخَلْقِ بالأمرِ بالنِّذارةِ، وختمَها بالأمرِ بالصَّبرِ، ونفسُ الإنذارِ أمرٌ بالمعروفِ ونهيٌ عن المنكرِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يجبُ بعدَ ذلك الصُّبر، وقد تكررَ الأمرُ بالصبرِ كثيرًا في القرآنِ الكريمِ.
فلا بدَّ من هذه الثَّلاثةِ: العلمُ، والرِّفقُ، والصَّبرُ، العلمُ قبلَ الأمرِ والنَّهي، والرِّفقُ معه، والصَّبرُ بعدَهُ، وإِنْ كان كلٌّ من الثَّلاثةِ مُسْتَصحبًا في هذه الأحوالِ. ولهذا قَالَ بعضُ السَّلفِ: لا يأمرُ بالمعروفِ وينهى عن المنكرِ إِلاَّ من كان فقيهًا فيما يأمرُ به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمرُ به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمرُ به، حليمًا فيما ينهى عنه. (مجموع فتاوى ابن تيمية (28 /126-137) باختصار).
البدء بالأخف
ولا بُدَّ للآمر أن يكون كالطبيب الحكيم يُشَخِّصُ الداء ويصف الدواءَ المناسبَ في الكمِّ والكَيْفِ من غير إسرافٍ ولا تقتير، فلا يلجأ إلى التَّصريح إذا أغنى عنه التلميح، ولا يلجأ إلى الكلمةِ النابيةِ إذا أغنت عنها الكلمةُ الطيبة، ولا يلجأ إلى الشِّدَّةِ إذا أغنى عنها اللين، فإنَّ الله تعالى قال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحجرات:9)، فقدَّم الإصلاحَ على القتال، وهذا يقتضي أن يَبْدَأَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقيًا إلى الأغلظ فالأغلظ، وقال تعالى: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (النساء: 34) فبدأ باللين ثم انتقل إلى الأشد فالأشد (مفاتيح الغيب(8/ 184)).
وهذا من فقه الدعوة الذي يتعيَّنُ على كلِّ داعيَةٍ حتى لا يُفسد أكثر مما يصلح، ولا يضرّ أكثر مما ينفع. 
فإذا أخذ الداعيةُ نفسَهُ بهذه الآداب وُفِّق في دعوته وأقبل الناسُ عليها، فليحرص الدعاةُ جميعًا على تعلُّمِ فقه الدعوة وأصولها، والله الهادي إلى سواء السبيل.
فضائل الحسبة
وفي قيام هذه الجماعة بهذا الواجب حفظُ الأمَّةِ من انتشار الرذائل والموبقات، وصيانةٌ لها من المهلكات، فإنَّ الشَّرَّ إذا غلب، والْخَبَثَ إذا كَثُرَ فقد هلكت الأُمَّةُ كلُّها، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (الأنفال: 25).
عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإبِهَام وَبِالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟! قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» (متفق عليه).
وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» (البخاري 2493).
ومن فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنَّهُ عُنوانُ كمالِ الإيمان، كما قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (التوبـة: 71)، وتركه عنوان النفاق والطغيان، كما قال تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ (التوبـة: 67).
ومن فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحقاقُ أهله للفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران: 104). 
ومـــن فوائده استحقــــاقُ أهله لرحمةِ الله، كما قال تعالـــى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبـة: 71)، فمن قام بالأمرِ بالمعروف والنَّهْيِ عن المنكر فهو مرحوم، ومَنْ تركه فهو ملعون، كما قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (المائدة: 78- 79).
ومن فوائده: استحقاقُ أهله للسَّلامةِ والنَّجاةِ من العذاب إذا نزل بالظالمين، كما قال تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (هود: 116)، وقال تعالى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (الأعراف: 162- 165).
قال أبو حامد الغزالي-رحمه الله-: «الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُّ عن المنكرِ ركنٌ من أركانِ الدينِ، بل هو القطبُ الأعظمُ في الدِّينِ، وهو المهمُّ الذي ابتعثَ اللهُ له النَّبِيِّين أجمعين، ولو طُوِيَ بساطه، وأُهملَ علمُهُ وعملُهُ لتعطلتِ النَّبُوةُ، واضمحلتِ الدِّيانةُ، وعمتِ الفترةُ، وفشتِ الضَّلالةُ، وشاعتِ الجهالةُ، واستشرى الفسادُ، واتسع الخرقُ، وخربتِ البلادُ».
الحث على الاجتماع والنهي عن التفرق
ثُمَّ نهى اللهُ تعالى عبادَهُ المؤمنين عن أَنْ يكونوا كاليهودِ والنَّصارى في افتراقِهم مذاهب، واختلافِهم عن الحقِّ بسببِ اتباعِ الهوى، وطاعةِ النَّفسِ، والحسدِ حتى صارَ كلُّ فريقٍ منهم يصدقُُ من الأنبياءِ بعضًا دون بعض، ويدعو إلى ما ابتدعَهُ في دينِهِ، فصاروا إلى العداوةِ والفرقةِ من بعدِ ما جاءتهم الآياتُ الواضحة، المبيِّنَةُ للحقِّ، الموجبةُ للاتفاقِ على كلمةٍ واحدةٍ، وهي كلمةُ الحقِّ. فالنَّهيُ متوجهٌ إلى المتصدِّينَ للدَّعوةِ أصالةً، وإلى أعقابِهم تبعًا. (محاسن التأويل(4/178)).
وفيه إشارةٌ إلى أَنَّ تركَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ يُفْضِي إلى التَّفرقِ والاختلافِ؛ إذ تكثرُ النَّزعاتُ والنَّزغات، وتنشقُ الأمةُ بذلك انشقاقًا شديدًا، وفيه إشارةٌ إلى أَنَّ الاختلافَ المذمومَ والذي يؤدي إلى الافتراقِ، هو الاختلافُ في أصولِ الدِّيانةِ الذي يُفْضِي إلى تكفيرِ بعضِ الأُمَّةِ بعضًا، أو تفسيقه، دونَ الاختلافِ في الفروعِ المَبْنِيَةِ على اختلافِ مصالحِ الأمةِ في الأقطارِ والأعصارِ، وهو المُعَبَرُ عنه بالاجتهاد. (التحرير والتنوير4/ 43).
وفي قولِهِ تعالى: وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ من التَّأكيدِ والمبالغةِ في وعيدِ المتفرقين، والتَّشديدِ في تهديدِ المتشبِّهين بهم، ما لا يخفى (محاسن التأويل4/ 179)، وهذا الوعيدُ يقابلُ الوعدَ الكريمَ في الآيةِ التي قبلَ هذه الآية، بقولِهِ تعالى في الدَّاعينَ إلى الخيرِ، الآمرين بالمعروفِ والنَّاهينَ عن المنكرِ: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فالفلاحُ في ذلك الوعدِ يشملُ الفوزَ بخيرِ الدُّنْيَا والآخرةِ، والعذابُ في هذا الوعيدِ يشملُ خسرانَ الدُّنْيَا والآخرةِ.
أَمَّا عذابُ الدُّنْيَا فهو أَنَّ المتفرقينَ المختلفين الذين اتبعوا أهواءَهم وحكَّموا في دينِهم آراءَهم، يكونُ بأسُهم بيْنَهم شديدًا، فيشقى بعضُهم ببعض، ثُمَّ يبْتلونَ بالأُممِ الطامعةِ في الضعفاءِ فتذيقهم الخزيَ والنَّكالَ، وتسلبهم عزةَ الاستقلال، وأَمَّا عذابُ الآخرةِ فقد بيَّنَ اللهُ في كتابِهِ أَنَّهُ أشدُّ من عذابِ الدُّنْيَا وأبقى. وذلك العذابُ العظيمُ يكونُ للمتفرقينَ المختلفينَ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، (مختصر المنار1/ 370 -371). أي تبيضُ وجوهٌ كثيرةٌ وهي وجوهُ المؤمنين؛ لاتباعِها الدِّينَ الحقَّ الذي هو النُّورُ السَّاطعُ، وتسودُّ وجوهُ الكافرينَ من أهلِ الكتابِ والمشركينَ، لاتباعِها الضلالاتِ المظلمةَ، وليستدلَ بذلك على إيمانِهم وكفرِهم، فيُجازى كلٌّ بمقتضى حالِهِ.
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي كفرتم بعدَ ما ظهرَ لكم ما يوجبُ الإيمان، وهو الدَّلائلُ التي نصبها اللهُ تعالى على التَّوحيدِ والنَّبوةِ، كما قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (آل عمران: 70).
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ والمرادُ برحمةِ اللهِ الجنة، وعُبِّرَ عنها بالرحمةِ تنبيهًا على أَنَّ المؤمنَ وإِنْ استغرقَ عمرَهُ في طاعةِ اللهِ فإِنَّهُ لا يدخل الجنةَ إِلاَّ برحمتِهِ تعالى.
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ الإشارةُ إلى ما تقدمَ من الوعدِ والوعيدِ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ أي لا يشاءُ أَنْ يظلمَ عبادَهُ، فيأخذَ أحدًا بغيرِ جرمٍ أو يزيدُ في عقابِ مجرم، أو ينقصَ من ثوابِ محسنٌ.
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أي للهِ تعالى وحدَهُ، من غيرِ شركة، وما فيهما من المخلوقاتِ ملكًا وخلقًا، وإحياءً وإماتـــةً، وإنابةً وتعـــذيبًا، وَإِلَى اللَّهِ أي إلــى حكمهِ وقضائــــــهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ فيجازي كلاً بما وعدَهُ وأوعدَهُ، فلا داعي للظلمِ، لأَنَّهُ غنيٌّ عن كلِّ شيْءٍ، وقادرٌ على كلِّ شيْءٍ. (محاسن التأويل 4/ 190-191).
والحمد لله رب العالمين.


رابط الموضوع : http://www.assakina.com/taseel/11325.html#ixzz2veBZ8EaV

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق